وَيجْلس القَاضِي للْحكم فِي الْمَسْجِد، وَإِن كَانَ الْخصم امْرَأَة حَائِضًا أَو نفسَاء يَأْتِي القَاضِي إِلَى بَاب الْمَسْجِد، فَينْظر فِي خصومتها، كَمَا لَو وَقعت
[ ٢٥١ ]
الْخُصُومَة فِي الدَّابَّة، يخرج القَاضِي لسَمَاع الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة. وَلَا بَأْس بِأَن يجلس فِي بَيته، وَيَأْذَن للنَّاس بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَلَا يقْضِي مَاشِيا، وَلَا بَأْس مُتكئا. وَلَا بَأْس بِالسَّلَامِ على القَاضِي، وَإِن تَركه وَسعه، والخصوم لَا يسلمُونَ على القَاضِي، وَهُوَ لَا يسلم عَلَيْهِم إِذا جلس للْقَضَاء.
وَذكر الرَّازِيّ فِي " أدب القَاضِي " أَن من دخل على القَاضِي فِي مجْلِس حكمه وَسعه أَن يتْرك السَّلَام عَلَيْهِ هَيْبَة لَهُ واحتشاما، وَبِهَذَا جرى الرَّسْم أَن الْوُلَاة والأمراء إِذا دخلُوا عَلَيْهِم لَا يسلمُونَ، وعَلى الْأَمِير أَن يسلم وَلَا يتْرك السّنة.
[ ٢٥٢ ]
وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ إِذا دخل القَاضِي الْمَسْجِد، ثمَّ يَدْعُو الله - تَعَالَى - أَن يوفقه، ويسدده للحق، ويعصمه من الْخَطَأ والذلل، ثمَّ يجلس للْحكم، وَيسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ، وَيسْتَحب أَن يجلس مَعَه قوما من أهل الْفِقْه وَالْأَمَانَة قَرِيبا مِنْهُ، وَيَضَع القمطرة إِلَى جنبه عَن يَمِينه.
ويتخذ كَاتبا مُسلما حرا، عدلا، ورعا، وَيقْعد حَيْثُ يرى، فَيكْتب خُصُومَة كل خصمين وشهودهما فِي صحيفَة بَيْضَاء - وَهِي الْمحْضر - وَيَنْبَغِي أَن يكْتب اسْم الْمُدَّعِي، وَاسم أَبِيه، وجده، وكنيته، وصناعته، وقبيلته، وَمَا يعرف بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ؟ وَيكْتب للشُّهُود مَوَاضِع مَنَازِلهمْ ومحالهم ومصلاهم فِي رقْعَة، ويشدها فِي رَأس الْمحْضر، للمسألة عَنْهُم إِن كَانَ القَاضِي لَا يعرفهُمْ، وَإِن كَانَ يعرفهُمْ لم يحْتَج إِلَى ذَلِك.
وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَتَّقِي الله تَعَالَى، وَيَقْضِي بِالْحَقِّ، وَلَا يقْضِي لهوى يضله، وَلَا لرغبة يعزه، وَلَا لرهبة يزجره، بل يُؤثر طَاعَة ربه على رِضَاء خلقه، فَيتبع الْحِكْمَة، وَفصل الْخطاب، قيل: هُوَ الْعلم بِالْقضَاءِ. وَقيل: هُوَ الْفَصْل بَين الْخُصُوم.
وَإِذا تقدم إِلَيْهِ خصمان، فَالسنة أَن يقعدا بَين يَدي القَاضِي جثوا،
[ ٢٥٣ ]
وَيُسَوِّي بَين الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوس، وَالنَّظَر، والمنطق، وَلَا يرفع صَوته على أَحدهمَا، إِلَّا أَن يسئ، وَلَا يعين وَلَا يلقن أَحدهمَا، وَلَا يعرض عَنْهُمَا بَعْدَمَا كَانَ مُقبلا عَلَيْهِمَا.
وَلَو اعتراه هم، أَو نُعَاس، أَو غضب، أَو جوع، أَو عَطش، أَو حَاجَة حيوانية، كف عَن الْقَضَاء، وَلَا يتَطَوَّع بِالصَّوْمِ فِي يَوْم الْقَضَاء وَلَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي فِي مجْلِس الْقَضَاء بِنَفسِهِ، وَلَا بَأْس بذلك فِي غير مجْلِس الْقَضَاء.
ويجيب الدعْوَة الْعَامَّة كالعرس والختان، وَلَا يُجيب الْخَاصَّة، وَهِي الْعشْرَة وَمَا دونهَا وَمَا فَوْقهَا عَامَّة، إِلَّا إِذا كَانَ رجلا متخذا الضِّيَافَة للْقَاضِي قبل الْقَضَاء لصداقة بَينهمَا، فَيُجِيبهُ بعد الْقَضَاء، كالمستقرض إِذا أهْدى للمقرض شَيْئا أَو
[ ٢٥٤ ]
أَضَافَهُ، إِن كَانَ فعل بِهِ قبل الْقَرْض فَلَا بَأْس بِالْقبُولِ، وَإِلَّا فَلَا يقبل. ويجيب دَعْوَة الْخَاص من الْقَرَابَة، وَيقبل هديتهم بالِاتِّفَاقِ، وَإِن كَانَ للقريب خُصُومَة لَا يُجيب وَلَا يقبل هديته.
[ ٢٥٥ ]
(صفحة فارغة)
[ ٢٥٦ ]
وَلَا يضيف القَاضِي أحد الْخَصْمَيْنِ، إِلَّا أَن يكون خَصمه مَعَه.
وَيكرهُ للْقَاضِي أَن يُفْتِي فِي مجْلِس الْقَضَاء للخصومات والدعاوى، وَفِي غير مجْلِس الْقَضَاء، قيل: لَا يكره. وَقيل: يكره.
وَيكرهُ أَن يَأْذَن أحد الْخَصْمَيْنِ أَن يدْخل فِي منزله، وَلَا بَأْس لمن لَا خُصُومَة لَهُ أَن يدْخل للْحَاجة.
فَفِي الْجُمْلَة يجب أَن يكون الْمُفْتِي: حَلِيمًا، رزينا لين القَوْل، منبسط الْوَجْه.
[ ٢٥٧ ]
عَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ: " رَأس الْعقل أَن يعْفُو الرجل عَمَّن ظلمه، وَأَن يتواضع لمن دونه، وَأَن يتدبر ثمَّ يتَكَلَّم ".
وَإِذا أجَاب الْمُفْتِي يَنْبَغِي أَن يكْتب عقيب جَوَابه: وَالله أعلم، وَنَحْو ذَلِك.
وَقيل: فِي الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي اجْتمع عَلَيْهَا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يَنْبَغِي أَن يكْتب: وَالله الْمُوفق، أَو يكْتب: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة.
وَإِذا اتّفق أَصْحَابنَا فِي شَيْء مثل أبي حنيفَة - ﵀ - وصاحبيه، لَا يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يخالفهم بِرَأْيهِ، لِأَن الْحق لَا يعدوهم، وَإِن اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم.
قَالَ المتقدمون من مَشَايِخنَا: يُؤْخَذ بقول أبي حنيفَة ﵀.
وَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ: إِذا اجْتمع اثْنَان مِنْهُم على شَيْء وَفِيهِمَا أَبُو حنيفَة - ﵀ - يُؤْخَذ بقولهمَا، وَإِن كَانَ أَبُو حنيفَة - ﵀ - فِي جَانب، وهما فِي جَانب يتَخَيَّر القَاضِي فِي ذَلِك إِن كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد وَإِلَّا يستفتي غَيره، فَيَأْخُذ بقول الْمُفْتِي بِمَنْزِلَة الْعَاميّ، وَلَا يَسعهُ أَن يتَعَدَّى إِلَى غَيره.
[ ٢٥٨ ]
وَإِن كَانَ فِي الْمصر فقيهان اخْتلفَا فِي شَيْء يَأْخُذ بِمَا هُوَ أصوبهما عِنْده، وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فاتفق اثْنَان أَخذ بقولهمَا.
وَلَا يجوز للحنفي أَن يَأْخُذ بقول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِيمَا خَالف مذْهبه، وَله أَن يَأْخُذ بقول القَاضِي إِذا حكم عَلَيْهِ بِخِلَاف مذْهبه.
وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يشاور أهل الْفِقْه فِي الحكم.
وَلَو قضى القَاضِي بِخِلَاف مذْهبه نفذ قَضَاؤُهُ عِنْد أبي حنيفَة - ﵀ - خلافًا لَهما.
وَلَو قضى بِرَأْي غَيره، ثمَّ ظهر لَهُ رَأْي بِخِلَاف مَا قضى، ينْقض قَضَاؤُهُ عِنْد مُحَمَّد ﵀، وَعند أبي يُوسُف - ﵀ - لَا ينْقض، وَهُوَ الْأَظْهر.