إِذا استفتى عَمَّن ساوم رجلا فِي ثوب، فَقَالَ البَائِع: أبيعك بِخَمْسَة عشر، وَقَالَ المُشْتَرِي: لَا أَخذه إِلَّا بِعشْرَة، وَذهب المُشْتَرِي بِالثَّوْبِ على هَذَا.
فَإِن أجَاب: أَن البيع بِعشْرَة، أَو بِخَمْسَة عشر، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ الثَّوْب فِي يَد المُشْتَرِي حِين ساومه وَجب البيع بِخَمْسَة عشر، إِذا ذهب بِهِ، وَإِن كَانَ الثَّوْب فِي يَد البَائِع، فَدفعهُ إِلَى المُشْتَرِي، وَلم يقل شَيْئا، فَالْبيع بِعشْرَة.
وَإِذا استفتى عَمَّن بَاعَ مَال غَيره بِغَيْر إِذْنه، فَبَلغهُ، فَأجَاز، فَإِن أجَاب بِالْجَوَازِ، أَو بِعَدَمِ الْجَوَاز، فقد أَخطَأ. وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ الْمَبِيع قَائِما، وَالْبَائِع وَالْمُشْتَرِي قَائِمين، صحت الْإِجَازَة، فَإِن مَاتَ أحد هَذِه الْأَشْيَاء، لم يجز، وَكَذَا لَو مَاتَ الْوَارِث، فَأجَاز ورثته لم يجز.
وَإِذا استفتى عَمَّن بَاعَ عَبده، وَعبد غَيره صَفْقَة وَاحِدَة، بِغَيْر أَمر ذَلِك الْغَيْر، مَا حَال البيع فيهمَا؟ وَهل للْمُشْتَرِي الْخِيَار؟ فَإِن أجَاب بِجَوَازِهِ، أَو بِبُطْلَانِهِ أَو بِأَن لَهُ الْخِيَار، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن أجَاز ذَلِك الْغَيْر، جَازَ البيع فيهمَا، وَلَا خِيَار لَهُ، فَإِن لم يجز، فَإِن كَانَ المُشْتَرِي يعلم وَقت الشِّرَاء بذلك، لزمَه فِي عبد البَائِع بِحِصَّتِهِ، وَإِن لم يكن عَالما وَقت الشِّرَاء، أَو علم بعد ذَلِك، فَإِن علم قبل الْقَبْض فَلهُ نقض البيع فيهمَا، لِأَنَّهُ لَو نقض فِي الْمَبِيع كَانَ فِيهِ تَفْرِيق الصَّفْقَة قبل التَّمام، وَذَلِكَ لَا يجوز.
وَإِن علم بعد قبضهما، لزمَه الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ، لِأَن الصَّفْقَة تمت بِالْقَبْضِ، فَلَو رد أَحدهمَا، كَانَ تَفْرِيق الصَّفْقَة بعد التَّمام، وَذَلِكَ جَائِز
[ ٣١٩ ]
وَإِذا استفتى عَن رجل بَاعَ عبدا على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ تقاضى على المُشْتَرِي بِالثّمن، هَل يكون ذَلِك إجَازَة مِنْهُ؟ فَإِن قَالَ: لَا، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن تقاضاه قبل أَن يَتَفَرَّقَا فَهُوَ على خِيَاره، وَإِن تقاضاه بَعْدَمَا تفَرقا، بَطل خِيَاره، وَذكر عَن الْحسن بن زِيَاد قَالَ أستاذنا ﵀: ظَاهر مَا ذكر فِي الزِّيَادَات، والقدوري يدل على أَنه يبطل خِيَاره مُطلقًا.
لَكِن لم يذكر هُنَاكَ هَذَا التَّفْصِيل. وَإِضَافَة أبي اللَّيْث ﵀ هَذِه الرِّوَايَة إِلَى الْحسن بن زِيَاد يدل على أَن التَّفْصِيل، لَيْسَ فِي كتب مُحَمَّد - ﵀ - وَهُوَ أحسن، وَبِه يُفْتى.
وَإِذا استفتى عَن رجل اشْترى جَارِيَة بثمانمائة نَسِيئَة، فَحدث بهَا عيب عِنْد المُشْتَرِي، فَبَاعَهَا من البَائِع بستمائة قبل نقد الثّمن، ثمَّ ذهب الْعَيْب عَنْهَا، فَإِن أجَاب بِجَوَاز البيع، أَو فَسَاده، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن ذهب الْعَيْب قبل أَن يقبض البَائِع من المُشْتَرِي، بَطل البيع الثَّانِي، وَإِن ذهب الْعَيْب بَعْدَمَا قَبضه مِنْهُ، فَالْبيع جَائِز، لِأَن للقبض شبها للْعقد، فَصَارَ الذّهاب قبل الْقَبْض، كالذهاب قبل شِرَاء البَائِع من المُشْتَرِي.
وَإِذا استفتى عَمَّن بَاعَ من رجل شَيْئا وزنيا، على أَن وَزنه كَذَا، فَوَجَدَهُ أَكثر من ذَلِك، مَا حَال البيع؟ وَالزِّيَادَة لمن تكون؟
[ ٣٢٠ ]
فَإِن أجَاب أَن البيع جَائِز، أَو فَاسد، وَالزِّيَادَة للْبَائِع، أَو للْمُشْتَرِي، فقد أَخطَأ. وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن اشْتَرَاهُ بِغَيْر جنسه، فَالْبيع جَائِز، وَأما الزِّيَادَة، فَهِيَ على وَجْهَيْن: إِن كَانَ المُشْتَرِي شَيْئا فِي تنقيصه ضَرَر، نَحْو أَن يَشْتَرِي إبريق فضَّة بِعشْرَة دَنَانِير على أَن وَزنه مائَة دِرْهَم، أَو اشْترى قمقمة بِعشْرَة دَرَاهِم على أَن وَزنهَا ثَلَاثَة أُمَنَاء، فَإِذا هِيَ أَكثر، فَالزِّيَادَة للْمُشْتَرِي. وَإِن كَانَ شَيْئا لَيْسَ فِي تنقيصه ضَرَر، نَحْو أَن يَشْتَرِي نقرة فضَّة أَو صفر، أَو نُحَاس، غير مَعْمُول بِدِينَار، على أَنه كَذَا منا، فَإِذا هِيَ أَكثر، فَالزِّيَادَة للْبَائِع.
وَإِن اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ فَهُوَ أَيْضا على وَجْهَيْن: إِن لم يكن فِي تَمْيِيزه ضَرَر، جَازَ البيع بِحِصَّتِهِ، نَحْو أَن يَشْتَرِي نقرة وَزنهَا مائَة بِمِائَة دِرْهَم فَوَجَدَهَا مِائَتَيْنِ، جَازَ البيع فِي النّصْف، وَبَطل فِي النّصْف الآخر.
وَإِن اشْترى إبريق فضَّة وَزنه مائَة بِمِائَة، فَوَجَدَهُ مِائَتَيْنِ، فَإِن قَالَ: البيع فَاسد فِي الْكل، أَو فِي النّصْف، فَهُوَ خطأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن علم أَن وَزنه مِائَتَان قبل أَن يَتَفَرَّقَا، فَالْبيع بَاطِل فِي النّصْف جَائِز فِي النّصْف، وَهُوَ بالمختار.
وَإِذا استفتى عَمَّن كَانَ لَهُ على آخر دين مائَة دِرْهَم، وَعِنْده لمديونه وَدِيعَة مِائَتَا دِرْهَم، فَقَالَ: جَعلتهَا قصاصا بديني، هَل يعْتَبر قصاصا؟ فَإِن أجَاب بِلَا، أَو بنعم فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَت الدَّرَاهِم فِي يَدَيْهِ، أَو قريبَة مِنْهُ يقدر على قبضهَا، جَازَ قصاصا.
وَإِن كَانَت بِحَال لَا يُمكن أَخذهَا، وَلم تكن قريبَة مِنْهُ، لَا يصير قصاصا، مَال لم يدْفع إِلَيْهِ.
قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة عَن مُحَمَّد ﵀، وَهِي مَعْرُوفَة: أَن قبض الْوَدِيعَة لَا يَنُوب عَن قبض الشِّرَاء.
[ ٣٢١ ]
وَإِذا استفتى عَن رجل لَهُ على رجلَيْنِ دين، فَأخذ من كل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسَة، وخلط بَعْضهَا بِبَعْض، ثمَّ وجد بعض الدَّرَاهِم نبهرجة، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يُنكر أَن يكون النبهرجة ملكه، هَل لَهُ أَن يرد على أَحدهمَا؟ إِن أجَاب أَن لَهُ أَن يرد، أَو لَيْسَ لَهُ أَن يرد، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن وجد درهما أَو دِرْهَمَيْنِ إِلَى خَمْسَة نبهرجة، لَا يرد أصلا، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقُول: إِن الْجِيَاد دراهمي، فَلَيْسَ لَك عَليّ حق الرَّد أصلا.
فَإِن وجد سِتَّة مِنْهَا نبهرجة، كَانَ لَهُ أَن يرد على كل وَاحِد مِنْهُمَا درهما، لأَنا تَيَقنا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا أعطَاهُ درهما نبهرجة، فَكَانَ لَهُ حق الرَّد على كل وَاحِد مِنْهُمَا قطعا.
وَإِن وجد سَبْعَة، فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا دِرْهَمَيْنِ.
وَإِن وجد ثَمَانِيَة، فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَلَاثَة دَرَاهِم.
وَإِن وجد تِسْعَة، فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا أَرْبَعَة، وَإِن كَانَ الْكل نبهرجة، رد كل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسَة.
قلت لاستاذنا ﵀: يَنْبَغِي أَلا يكون الرَّد فِي هَذِه الْوُجُوه كلهَا أصلا على قَول أبي حنيفَة - ﵀ - لِأَن خلط الدَّرَاهِم على وَجه يتَعَذَّر التَّمْيِيز اسْتِهْلَاك عِنْده، وَالرِّوَايَة المحفوظة: أَن من كَانَ لَهُ على آخر دَرَاهِم جِيَاد فَأَخذهَا مِنْهُ زُيُوفًا، فأنفقها فِي حَاجته أَو استهلكها، ثمَّ علم، لَيْسَ على مديونه شَيْء عِنْد أبي حنيفَة.
وَأحد الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد ﵀: لَهُ أَن يرد عَلَيْهِ مثل زيوفه، وَيرجع عَلَيْهِ بجياده، فَيَنْبَغِي أَلا يكون لَهُ حق الرَّد إِلَّا على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد - رحمهمَا الله - بِنَاء على أَن الْخَلْط لَيْسَ استهلاكا عِنْدهمَا، أَو بِنَاء على أَن إِنْفَاق الزُّيُوف واستهلاكها، لَا يسْقط حَقه فِي الْجَوْدَة، أما على قَول أبي حنيفَة ﵀: لَا يرد أصلا، لما ذكرنَا من مذْهبه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
[ ٣٢٢ ]
ثمَّ أجَاب فِي مجْلِس آخر فقد أحسن فِيمَا أجَاب - فَقَالَ: لَا بل هُنَاكَ يرد كَمَا ذكرنَا، لِأَن النبهرجة إِذا زَادَت على الْخَمْسَة، تَيَقنا أَنه اسْتحق كل وَاحِد مِنْهُمَا رد شَيْء من هَذِه النبهرجة بِقدر مَا ذكرنَا.
فَلَو امْتنع الرَّد، إِنَّمَا يمْتَنع لكَون الْمَرْدُود على كل وَاحِد مِنْهُمَا، وَذَلِكَ مَشْكُوك، وَالثَّابِت بالمتيقن لَا يخْتل بِالشَّكِّ، بِخِلَاف مَا لَو أنْفق الْمَأْخُوذ، أَو أتْلفه لِأَن هُنَاكَ تَيَقنا أَن الَّذِي يرد عَلَيْهِ غير الْمَأْخُوذ مِنْهُ، فَجَاز أَن يمْتَنع حق الرَّد.
وَإِذا استفتى عَمَّن دفع إِلَى رجل درهما وضحا، وَقَالَ: اشْتَرِ لي بِنصْف لَحْمًا، وبنصف دِرْهَم قطنا، وَلم يزدْ على هَذَا، فَكيف يصنع الْوَكِيل حَتَّى لَا يضمن؟ فَإِن أجَاب أَنه يكسر الدِّرْهَم فقد أَخطَأ، لِأَنَّهُ يصير ضَامِنا، فَإِن أجَاب أَنه يَشْتَرِي بالدرهم الوضح مكسرة، فقد أَخطَأ أَيْضا، لِأَنَّهُ غير مَأْمُور بِالتَّصَرُّفِ، فَيصير مُخَالفا ضَامِنا.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: لَا وَجه سوى أَن يَأْمر صَاحب الْقطن ليَشْتَرِي بِنَفسِهِ لَحْمًا بِنصْف دِرْهَم، أَو القصاب ليَشْتَرِي بِنَفسِهِ قطنا بِنصْف دِرْهَم، ثمَّ يَشْتَرِي الْوَكِيل مِنْهُ بدرهم.
وَإِذا استفتى عَمَّن وكل رجلا بِأَن يَشْتَرِي لَهُ عبدا بِأَلف دِرْهَم، فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيل كَمَا أمره، لَكِن قَالَ عِنْد الشِّرَاء: اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْته لنَفْسي.
فَإِن أجَاب أَنه جَازَ شِرَاؤُهُ لنَفسِهِ، أَو لِلْأَمْرِ، أَو لم يجز شِرَاؤُهُ، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: لَو اشْتَرَاهُ بِمحضر من مُوكله كَانَ شِرَاؤُهُ لنَفسِهِ، وَإِن اشْتَرَاهُ فِي حَال غيبته، فَهُوَ للْآمِر، لِأَن الْوَكِيل لَا يملك عزل نَفسه بِدُونِ علم الْمُوكل، كالموكل لَا يملك عَزله بِدُونِ علمه، وَإِذا لم يَنْعَزِل بَقِي وَكيلا، وَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ مَحْجُور عَن الشِّرَاء لنَفسِهِ على الَّذِي وكل بِهِ.
وَإِذا استفتى عَمَّن وكل رجلا بشرَاء عبد بِأَلف دِرْهَم، وَلم يدْفع إِلَيْهِ الثّمن، فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيل، وَقبض، وَأدّى الثّمن، ثمَّ لقى الْآمِر فِي غير الْمصر الَّذِي فِيهِ العَبْد، فَطلب مِنْهُ الثّمن، وأبى الْآمِر أَن يدْفع حَتَّى يدْفع الْمُثمن، فَإِن قَالَ: لَهُ
[ ٣٢٣ ]
ذَلِك أَو لَيْسَ لَهُ ذَلِك، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ الْآمِر طلب قبل ذَلِك قبض العَبْد من الْمَأْمُور بِمحضر مِنْهُمَا، فَأبى الْمَأْمُور أَن يدْفع إِلَيْهِ حَتَّى يقبض الثّمن، فللآمر أَلا يدْفع الثّمن، مَا لم يحضر العَبْد ثمَّ يدْفع الثّمن لِأَن قبض الْوَكِيل كقبض الْآمِر مَا لم يحدث حبسا، وَلِهَذَا لَو هلك عِنْد الْوَكِيل بَعْدَمَا حَبسه بِالثّمن، يهْلك بِالثّمن، وَيسْقط الثّمن عَن الْآمِر عِنْدهمَا، وَعند أبي يُوسُف - ﵀ - يهْلك هَلَاك الرَّهْن، حَتَّى لَو كَانَ ثمنه أَكثر من قِيمَته يرجع الْوَكِيل على مُوكله بِالْفَضْلِ، وَإِن لم يكن طلب مِنْهُ الْآمِر قبض العَبْد قبل ذَلِك، فَلَيْسَ للْآمِر أَن يمْتَنع عَن دفع الثّمن، لِأَنَّهُ لم يعرف حابسا، فَكَانَ يَده يَد الْمُوكل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قبض العَبْد بِنَفسِهِ، وَلَو قبض بِنَفسِهِ لَيْسَ لَهُ أَن يمْتَنع عَن دفع الثّمن كَذَا هُنَا.
فَلَو قيل: إِن الْوَكِيل لَو قبض العَبْد، فَذَهَبت عينه عِنْد الْوَكِيل، فَأبى الْآمِر أَن يَأْخُذهُ، فَإِن أجَاب أَن لَهُ ذَلِك، أَو لَيْسَ لَهُ ذَلِك، فقد أَخطَأ. وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ الْوَكِيل مَنعه من الْآمِر، ثمَّ ذهبت عينه، فَإِن شَاءَ الْآمِر أَخذه بِجَمِيعِ الثّمن، وَإِن شَاءَ تَركه، وَإِن كَانَ الْآمِر لم يَطْلُبهُ مِنْهُ، حَتَّى ذهبت عينه، فعلى الْآمِر أَن يَأْخُذهُ بِكُل الثّمن، من غير خِيَار لَهُ.
إِذا سُئِلَ عَمَّن بَاعَ شَيْئا فِي السُّوق، فاستعان بِرَجُل من أهل السُّوق، فأعانه، ثمَّ طلب الرجل من البَائِع الْأجر هَل لَهُ ذَلِك؟ فَإِن أجَاب بِلَا، أَو بنعم، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: ينظر إِلَى أهل ذَلِك السُّوق، فَإِن كَانُوا لَا يعينون إِلَّا بِأَجْر، يقْضى للمعين بِأَجْر الْمثل فِيمَا أعَان، وَإِن كَانُوا يعينون بِغَيْر أجر فَلَا شَيْء لَهُ. وَكَذَا إِذا أعَان رجل آخر من أهل السُّوق رجلا فِي حانوته، فأعانه سَاعَة على بَيْعه وشرائه، وَالْمُعْتَبر فِي ذَلِك عَادَة كل أهل السُّوق.
وَإِذا استفتى عَن أَرْبَعَة أجروا أنفسهم لحمل الْجِنَازَة إِلَى الْمقْبرَة، هَل تجوز الْإِجَارَة وَتجب الْأُجْرَة أم لَا؟ فَإِن أجَاب بِلَا، أَو بنعم فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن لم يُوجد لحمل الْجِنَازَة غَيرهم لَا تجوز الْإِجَارَة، لأَنهم حِينَئِذٍ تعينُوا لوُجُود إِقَامَة هَذِه الْحِسْبَة، فَلَا يسْتَحقُّونَ أجرا بِمُقَابلَة عمل مُسْتَحقّ عَلَيْهِم.
[ ٣٢٤ ]
وَإِن وجد غَيرهم، جَازَت الْإِجَارَة، وَلَهُم الْأُجْرَة، لِأَن إِقَامَة هَذَا الْعَمَل لم يسْتَحق عَلَيْهِم حِينَئِذٍ، فَجَاز أَن يستحقوا الْأُجْرَة بِعَمَل لم يكن مُسْتَحقّا عَلَيْهِم، وَصَارَ هَذَا الْعَمَل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم بعينهم بِمَنْزِلَة الْأَعْمَال الْمُبَاحَة، فَصحت إجارتهم.
وَإِذا استفتى عَمَّن حمل دَقِيقًا إِلَى منزله، فاستأجر امْرَأَته ليخبزه هَل يجب الْأجر؟ فَإِن أجَاب بِلَا، أَو بنعم، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن أَرَادَ أَن تخبز للْبيع، فلهَا الْأجر، لِأَن ذَلِك غير مُسْتَحقّ عَلَيْهَا.
وَإِن أَرَادَ لتخبز ليأكلوا مِنْهُ، لَا يجب الْأجر، لِأَن ذَلِك مُسْتَحقّ عَلَيْهَا عَادَة، كَذَا ذكر هُنَا.
قلت لأستاذنا: هَل يجوز أَن يكون هَذَا بِنَاء على مَا اخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْث ﵀ فِي الْمَنْكُوحَة والمعتدة إِذا أَبَت أَن تطبخ وتخبز هَل لَهَا ذَلِك؟ قَالَ: إِن كَانَت لَا تقدر على ذَلِك، أَو كَانَت من الْأَشْرَاف فلهَا ذَلِك، وعَلى الزَّوْج مئونة الْخبز والطبخ، وَإِذا كَانَت تقدر، وَهِي مِمَّن تخْدم نَفسهَا، تجبر على ذَلِك.
هَذَا اخْتِيَار الْفَقِيه أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀.
وَذكر الْخصاف فِي النَّفَقَات: أَن على الزَّوْج أَن يَأْتِي بِمن يطْبخ ويخبز لَهَا، من غير فصل بَين الشَّرِيفَة والوضيعة. وَبِه أَخذ الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَلْخِي.
قَالَ أستاذنا ﵀، لَا بل يَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب عِنْد الْكل كَمَا ذكره أَبُو اللَّيْث لِأَن الْخبز بِقدر مَا يَأْكُلُون فِي الْبَيْت مُسْتَحقّ عَلَيْهَا ديانَة، وَإِن لم يسْتَحق عَلَيْهَا حكما، وَذَلِكَ يمْنَع صِحَة الْإِجَارَة، كَمَا لَو اسْتَأْجرهَا لترضع وَلَدهَا مِنْهُ لَا يجوز، وَإِن لم يجب عَلَيْهَا الْإِرْضَاع حكما.
وَإِذا استفتى عَمَّن أعْطى إِلَى الصّباغ ثوبا ليصبغه، فَجحد الصّباغ الثَّوْب، وَحلف ثمَّ جَاءَ بِهِ مصبوغا، هَل لَهُ الْأجر؟ فَإِن أجَاب بِلَا أَو بنعم، فقد أَخطَأ.
[ ٣٢٥ ]
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ صبغه قبل الْجُحُود يجب الْأجر، لِأَنَّهُ صبغها حَال قيام الْإِجَارَة بَينهمَا، وَأَن كَانَ صبغه بعد الْجُحُود، فَصَاحب الثَّوْب بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب، وَأَعْطَاهُ مَا زَاد الصَّبْغ فِيهِ، وَإِن شَاءَ تَركه عَلَيْهِ، وَضَمنَهُ قيمَة ثوب أَبيض، لِأَن عقد الْإِجَارَة بَينهمَا قد انْفَسَخ بالجحود، فَصَارَ كمن صبغ ثوب غَيره بِغَيْر إِذْنه، فَالْحكم فِيهِ مَعْلُوم.
وَإِذا استفتى عَمَّن اسْتَأْجر رجلا ليحمل لَهُ حملا إِلَى مَوضِع مَعْلُوم، فَحمل إِلَى نصف الطَّرِيق ثمَّ تَركه الْمُقدر، كم يجب من الْأجر؟ إِن قَالَ: نصفه، أَو أقل، أَو أَكثر، فقد أَخطَأ.
وَيَنْبَغِي أَن يَقُول: إِن كَانَ الطَّرِيق كُله مستويا لم يكن فِي أحد النصفين شَيْء من ذَلِك، يقسم الْأجر على كل وَاحِد من النصفين، فَيلْزمهُ حِصَّة مَا حمل.
وَعَن أبي يُوسُف - ﵀ - أَنه يقسم على صعوبة الطَّرِيق وسهولته.