اعْلَم أَنه لَا يخفى فِي الْعَالم أَن خدمَة السلاطين والأمراء والملوك أَمر عَظِيم، وكل من يَجْعَل نَفسه فِي خدمَة الْملك، فَإِنَّهُ فِي معرض الْخطر وَالْخَطَأ، وَمن أجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﵇: " من اقْترب أَبْوَاب السُّلْطَان افْتتن ".
وَتقول الْعَرَب: من شرب من كأس الْمُلُوك احترقت شفتاه.
فَفِي الْجُمْلَة إِن قدر الله - تَعَالَى - لرجل خدمَة الْمُلُوك، والتقرب عِنْدهم يَنْبَغِي لَهُ أَلا يخَاف الْملك فِي كل الْأَحْوَال، لِأَن النَّبِي - ﵇ - قَالَ: " إِن الله ليغضب على من خَالف السُّلْطَان ".
وَقَالَ الْحُكَمَاء: من خدم السُّلْطَان خدمه الإخوان، إِذا تغير السُّلْطَان تغير الزَّمَان.
[ ٢٣١ ]
وَاعْلَم أَنما يَلِيق الرجل لخدمة السُّلْطَان إِذا حَافظ عشر قَوَاعِد، فَحِينَئِذٍ يَأْمَن من غضب الْمُلُوك، وَيبعد عَن شرورهم، وَيكون ذَا عزة عِنْد الْمُلُوك:
الْقَاعِدَة الأولى: يَنْبَغِي لأجناد الْملك وخدامه أَلا ينكروا على أَفعَال الْملك وأقواله، وَإِن كَانَت تِلْكَ الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال مُنكرَة فِي الشَّرْع، بل الأجناد يمْنَعُونَ الْملك عَن مُنكرَات الشَّرْع بالتأني والتدريج.
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة: هِيَ أَن يشْتَغل الأجناد والخدام جَمِيع أوقاتهم باستمالة قلب الْملك، وكل شَيْء يعْمل الأجناد والخدام، يَنْبَغِي أَن يكون على وَجه الْعُبُودِيَّة والخضوع.
الْقَاعِدَة الثَّالِثَة: هِيَ أَلا يُعَارض الْخَادِم للْملك بِالْحجَّةِ، وَلَا يُخَالف أَمر الْملك.
الْقَاعِدَة الرَّابِعَة: هِيَ أَلا يغتر الأجناد والخدام ببساطة وَجه الْملك واستمالته، وَلَا يَأْمَن من مكر الْملك، بل يعلم محبته من عطائه، فَإِن كَانَ عطاؤه كثيرا يعلم أَن محبته مَعَه كثير، وَإِن كَانَ عطاؤه قَلِيلا يعلم أَن محبته مَعَه قَلِيل، وَقَالَ الْحُكَمَاء:
ثَلَاثَة أَشْيَاء على مِقْدَار عقول أَرْبَابهَا: الْكتاب يدل على مِقْدَار عقل كَاتبه، وَالرَّسُول يدل على مِقْدَار عقل مرسله، والهدية تدل على مِقْدَار همة مهديها.
الْقَاعِدَة الْخَامِسَة: هِيَ أَن يحفظ الْخَادِم لِسَانه عَن الْخُصُومَة فِي حَضْرَة الْملك مَعَ رجل آخر، وَلَا يغْضب رجلا عِنْد الْملك، لِأَنَّهُ إِذا أغضب الْخَادِم رجلا عِنْد الْملك، فَكَأَنَّهُ يغْضب الْملك.
الْقَاعِدَة السَّادِسَة: إِذا كَانَت الأجناد أَو الخدام فِي خضرَة الْملك يتَوَجَّه بِعَيْنِه وإذنه إِلَى أَمر الْملك، ويمتثل بإشارته وَأمره.
الْقَاعِدَة السَّابِعَة: هِيَ أَن الْخَادِم إِذا خَاطب الْملك يَنْبَغِي للخادم أَن يكون لين الْكَلَام، وَيكون كَلَامه أَخفض من كَلَام الْملك، وَلَا يتحاج من الْملك.
[ ٢٣٢ ]
الْقَاعِدَة الثَّامِنَة: هِيَ أَلا يكثر الْخَادِم طلب الْحَوَائِج من الْملك كي لَا ينقص حرمته عِنْد الْملك، وَإِن عرض الْخَادِم حَاجَة للْملك، فَلم يقْض الْملك حَاجته، فَيَنْبَغِي للخادم أَلا يغتم بذلك، وَلَا يغْضب الْخَادِم الْملك لذَلِك السَّبَب، وَلَا يبعد عَن خدمَة الْملك لأجل عدم قَضَائِهِ الْحَاجة، لِئَلَّا يكون هَلَاك الْخَادِم فِي ذَلِك الْغَضَب والبعد.
الْقَاعِدَة التَّاسِعَة: هِيَ أَن يعْتَاد الْخَادِم فِي خدمَة الْملك أَن يكون على أطيب خلق وطلاقة وَجه، ويحترز عَن الْحزن وعبوس الْوَجْه عِنْد الْملك.
الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة: أَلا يعْقد الْخَادِم مَعَ خدام الْملك الْعَدَاوَة، وَإِن كَانَ بَينه وَبَين خَادِم آخر عَدَاوَة، فَلَا يظْهر تِلْكَ الْعَدَاوَة عِنْد الْملك، وَإِن شكا الْخَادِم من خَادِم آخر إِلَى الْملك، فَيَنْبَغِي للخادم أَن يعرض الشكاية للْملك على طَرِيق النَّصِيحَة والتعريض، ليَقَع كَلَامه مَحل الْقبُول عِنْد الْملك.
فَفِي الْجُمْلَة يَنْبَغِي للأجناد والخدام أَن يكون شعارهم ودثارهم عِنْد الْملك الصَّبْر والرفق والمداراة وَالْأَدب، لِأَن الْأَدَب مُفِيد فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، أما فِي مجْلِس الْملك أعظم فَائِدَة.
قَالَ أفلاطون: يَنْبَغِي للعاقل أَلا يكلم الْملك بالمجاهرة وَالْغَضَب، وَلَا يجاري على الْملك فِي الْكَلَام، وَلَا يغتر باستمالة الْمُلُوك، وَلَا بالتقرب عِنْدهم، لِأَن فِي التَّقَرُّب عِنْدهم حُصُول خطر الْبعد عَن الْملك، وَفِي الْقبُول عِنْدهم يحصل الخذلان والهوان.
وَقَالَ سقراط: إِذا عَفا الْملك عَن جرم رجل يَنْبَغِي أَن يعرف الرجل حق ذَلِك الْعَفو، وَلَا يَنْبَغِي للرجل أَن يفعل مرّة أُخْرَى ذَلِك الجرم.
وَقَالَ أفلاطون الْحَكِيم: " لَا يُمكن خدمَة الْملك إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: أَن يغمض عينه عَن مساوئ الْملك، وَيقصر يَده عَن أَخذ مَال الْملك بِغَيْر أمره، ويحفظ لِسَانه عَن غيبَة الْملك ".
وَقَالَ حكماء اليونان: ثَلَاثَة أَشْيَاء من عَلَامَات عدم السَّعَادَة: الأول: أَلا يرى عَيبه. وَالثَّانِي: أَن يطْلب عيب غَيره، وَالثَّالِث: الْكَذِب فِي القَوْل.
[ ٢٣٣ ]
وَقَالَ أنو شرْوَان الْعَادِل: لَا يبلغ الرجل مُرَاده فِي خدمَة الْمُلُوك، فَإِذا لم يبلغ مُرَاده، فَيَنْبَغِي أَلا يمْنَع إحسانه من أصدقائه.
وَيَنْبَغِي للوزير وَالْخَادِم أَلا يرجع السَّائِلين من بَابه محرومين، فَإِنَّهُ من أعظم الْعُيُوب عِنْد الْعُقَلَاء.
عَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - أَنه قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّد: " إياك وَالسُّؤَال، فَإِنَّهُ يخلق الْوَجْه وَيذْهب بهاءه، ويطفئ نوره، وَيَضَع الأقدار، ويحط الأخطار، ويكسو الذلة وَالصغَار ".
وَقَالَ الْحسن بن عَليّ ﵁: " من رجا نوالا فقد بَاعَ حَيَاته بِالْمَوْتِ، واستبدل بالعز الذل ".
وَقَالَ الْمُهلب لِبَنِيهِ: " إيَّاكُمْ ورد السَّائِلين، فَإِنِّي مَا رَأَيْت شَيْئا أذلّ من السُّؤَال، فَلَا تجمعُوا عَلَيْهِ ذلين، ذل السُّؤَال، وذل الرَّد ".
وَقَالَ حَكِيم: مَا أحب أَن أرد ذَا حَاجَة، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون كَرِيمًا فأصون وَجهه، أَو لئيما فأصون عرضي عَنهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يُوصي إِلَى وَلَده وَيَقُول: " إِن افْتَقَرت فمت
[ ٢٣٤ ]
قبل أَن تسْأَل، وَإِن اسْتَغْنَيْت فأعط قبل أَن تسئل، وَإِيَّاك ورد الطَّالِب، فَإِنَّهُ قد بَاعَ نَفسه ".
وَقَالَ بزرجمهر: " يَنْبَغِي للرجل أَن يعِيش مَعَ الْملك كَمَا يعِيش العَبْد مَعَ سَيّده، لِأَن الْملك لَا يخرج عَن كَونه ظلّ الله، والرعية لَا تخرج عَن ذل الْعُبُودِيَّة ".
وَقَالَ الْحُكَمَاء:
فَسَاد الرّعية بِلَا ملك كفساد الْجِسْم بِلَا روح.
إِذا تغير السُّلْطَان، تغير الزَّمَان.
شعر: // (الوافر) //
(إِذا مَا اللَّحْم أنتن ملحوه ونتن الْملح لَيْسَ لَهُ دَوَاء)
وَقَالَ الْحُكَمَاء: " احْذَرُوا من لَا يُرْجَى خَيره، وَلَا يُؤمن شَره ".
قيل لحكيم: " لم لَا تشرب الشَّرَاب؟ قَالَ: أكره أَن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ".
وَيَنْبَغِي للأجناد والخدام أَن يَكُونُوا أَصْبِر الْخَلَائق على أَذَى الْملك، لِأَن الْعُقَلَاء قَالُوا: إِن فِي الصَّبْر خمس فَوَائِد، كل ذَلِك مستحسن ومطلوب، وَفِي العجلة خَمْسَة أَشْيَاء، كل ذَلِك مَذْمُوم:
الأول: فِي الصَّبْر رَجَاء الْفرج، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " الصَّبْر مِفْتَاح الْفرج ". فَعلم من هَذَا الحَدِيث أَن فِي العجلة لَا يُرْجَى الْفرج.
[ ٢٣٥ ]
وَالثَّانِي: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء الصَّوَاب، وَفِي العجلة رَجَاء الْخَطَأ، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " من تأنى أصَاب أَو كَاد وَمن تعجل أَخطَأ أَو كَاد ".
وَالثَّالِث: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء النُّصْرَة، كَمَا قَالَ ﵇: " إِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر " فَيعلم مِنْهُ أَن فِي العجلة عدم النَّصْر، وَهُوَ الْهَزِيمَة.
وَالرَّابِع: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء الْحَسَنَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّوْرَاة: " لَا حَسَنَة أَعلَى من الصَّبْر " فَعلم من ذَلِك أَن فِي العجلة السَّيئَة.
وَالْخَامِس: أَن فِي الصَّبْر الِاقْتِدَاء بالرسل - ﵈ - كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فاصبر كَمَا صَبر أولو الْعَزْم من الرُّسُل، وَلَا تستعجل لَهُم﴾ ﴿الْأَحْقَاف ٣٥﴾ .
فَعلم من هَذِه الْآيَة أَن الصَّبْر من المأمورات، والعجلة من قبيل المنهيات، لِأَنَّهَا ضد الصَّبْر.
قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: " كل رجل يبعد عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء، فَإِن ذَلِك الرجل يكون بَعيدا عَن السيء وَالْمَكْرُوه: الأول: العجلة. وَالثَّانِي: الْغَضَب. وَالثَّالِث: الْعجب. وَالرَّابِع: التكاسل ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " التَّعْجِيل لَا يُبَاح فِي الْمَأْمُور إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: فِي تَزْوِيج الْبِنْت، وَالثَّانِي: فِي دفن الْمَيِّت، وَالثَّالِث: فِي إِحْضَار الطَّعَام إِلَى الضَّيْف ".
[ ٢٣٦ ]