أولًا: الحريات الشخصية:
ويعتبر هذا النوع من الحريات من أهم ما يجب أن يتمتع به الفرد؛ لكونه يتصل بكرامته الإنسانية التي كفلها له الخالق -﷾- وتشمل هذه الحريات في الفقه الدستوري ما يلي:
١ - حرية التنقل:
بمعنى أن يكون الفرد حرًّا في الانتقال من مكان إلى آخر، والخروج من البلاد والعودة إليها بدون تقييد لحريته في ذلك، إلا بما يقتضيه النظام والقانون، وهذا حق للأفراد، قد أقره النظام الإسلامي الذي يدعو الإنسان إلى السعي في الأرض، والمشي في مناكبها؛ طلبا للرزق، واعتبارًا بمصير الأمم السابقة. وروي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يمنع بعض كبار الصحابة عن الخروج من المدينة؛ حتى يتيسر له الرجوع إليهم ومشاورتهم في شئون الدولة، ويعتبر هذا نوعًا من تقييد حرية التنقل للمصلحة العامة إذا رأى الإمام ذلك، وعلى كل حال فحرية السعي في الأرض باعتبارها حقًّا فرديًّا لا يسوغ ولا يجب
[ ٤١٠ ]
أن تتقيد إلا لمصلحة أعلى منها، أما تقييدها لمجرد الرغبة في الانتقام من الفرد، كما يحصل في عالم اليوم، فهو عمل لا يقره النظام الإسلامي، الذي تقدر فيه الضرورة بقدرها دائما.
٢ - حق الأمن:
ويقصد بهذا الحق في الفقه الدستوري: عدم جواز القبض على أحد الأشخاص، أو اعتقاله، أو حبسه، إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون، وبعد اتخاذ جميع الإجراءات والضمانات التي حددها القانون، كما يعني حصانة شخصه -أي حماية الشخص من أي اعتداء عليه- وفي النظام الإسلامي لا يجوز بطبيعة الحال القبض على أي إنسان وترويعه وحبسه، ما لم يكن ذلك بسبب شرعي يستوجب ذلك، والعقوبات في الإسلام بطبيعة الحال مضيق بابها، فلا جريمة ولا عقوبة بغير نصٍّ، ولا تثبت العقوبات بمجرد الرأي والاجتهاد؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات كما هو معلوم، والأصل البراءة حتى يثبت العكس؛ ولهذا فإن النظام الإسلامي يعتبر الاعتداء على حقّ الأمن للإنسان، سواء في جسده، أو في حياته العامة، يعتبر ذلك نوعًا من الظلم، ويتوعد عليه بأشد العقوبات، فالله تعالى يعتبر من يقتل نفس بغير حق كأنه قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ويتوعد القاتل عمدًا بالخلود في النار، والرسول -ﷺ- جعل كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. وفي حجة الوداع قال -﵊-: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد».
٣ - حرمة المسكن:
بمعنى أنه لا يجوز اقتحام مسكن أحد الأفراد أو تفتيشه إلا في الحالات، ووفقًا للإجراءات التي نصّ عليها القانون، ويطلق اسم المسكن على المكان الذي
[ ٤١١ ]
يسكن فيه الفرد بشكل دائم أو مؤقت، فللمَساكن الخاصّة حرمتها التي لا يجوز انتهاكها إلا عند الضرورة، وغنيّ عن البيان أن هذا الحقّ مقررٌ بنصوص صريحة في كتاب الله -﵎- في "سورة النور" حيث تذكر الآيتان "٢٧و ٢٨" من تلك السورة قول الحق -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية: ٢٧).
فقد تقرّرت حرمة المساكن بهذا النص الكريم؛ بحيث لا يجوز للشخص أن يدخل بيتًا غير بيته إلا بعد أن يستأذن، بل يستأنس، ويسلم على أهله، ولا يجوز دخول مسكن شخص في غيابه إلا بإذنه، وعند عدم الإذن في الدخول يجب الرجوع؛ وذلك أزكى وأطهر عند الله تعالى، وهو يعلم ما تخفيه الصدور من الحفاظ على حرمة المساجد، أو الرغبة في انتهاكها والاطلاع على عورات الناس.
٤ - سرية المراسلات:
بمعنى عدم جواز مصادرة أو اغتيال سرية المراسلات بين الأفراد؛ لما يتضمنه ذلك من الاعتداء على حق ملكية الخطابات المشتملة على هذه المراسلات؛ ولما في ذلك انتهاكٍ لحرية الفكر، وفي النظام الإسلامي لا يجوز الاعتداء على سرية المراسلات؛ لكونها مملوكةً لصاحبها، فيكون في الاعتداء عليها اعتداء على حق الغير، وهو لا يجوز شرعًا إلا بإذن صاحب الحق ورضاه، وأيضا فالرسالة تعتبر بمثابة الوديعة حتى تصل إلى المرسلة إليه. ومن المعلوم أن الوديعة أمانة، وقد أمر الله تعالى بأدائها إلى أهلها؛ ومن ثم فلا يجوز المساس بها، أو التصرف فيها من قبل المودع لديه؛ لأن ذلك ينطوي على تجسس، وتتبع للعورات، قد نهانا الشرع عنه وحذرنا منه.
[ ٤١٢ ]
وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات لا يجوز بحال أن تمس المصالح العامة للمجتمع؛ ولذلك فمن الطبيعي أن الدولة تملك تقييد هذه الحريات الشخصية ببعض القيود لصالح الجماعة، وبخاصة عندما تطغى الأنانية الفردية، ويعم الفساد، وتفسد الذمم، وتضعف الضمائر، ففي هذه الحالة تملك السلطة الشرعية العادلة أن تتّخذ من الإجراءات والقيود ما يدفع الأخطار، ويوفر الأمن، ويحقق مصلحة المجتمع.