الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن مفهوم السياسة في الإسلام وعن القرآن الكريم كمصدر من مصادر الأحكام الدستورية في الإسلام ونواصل الآن الحديث عن المصدر الثاني، وهو السنة النبوية الشريفة، فنقول:
السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، وقيل: هي مأخوذة من سن بمعنى بيّن، وسميت السنة كذلك؛ لأنها مبينة للقرآن الكريم،
[ ٣٠٩ ]
وأما السنة في الاصطلاح فيقصد بها أقوال النبي -ﷺ- وأفعاله وتقريراته.
فالسنة القولية هي ما صدر عن النبي -ﷺ- من الأقوال، وهي أكثر السنة، مثل قوله -ﷺ-: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» وقوله -ﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» وقوله -ﷺ-: «لا ضرر ولا ضرار» وقوله -ﷺ-: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
والسنة الفعلية هي أفعال النبي -ﷺ- المنقولة عنه، كصلاته -ﷺ- وحجه، فقد صلى ﵇ وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وحج -ﷺ- وقال: «خذوا عني مناسككم» ومن ذلك أيضًا ما كان يفعله -ﷺ- كقضائه باليمين والشاهد، وما كان يفعله في الحروب -ﷺ- فهو يعتبر سنة بسبب فعله -ﷺ- له.
والسنة التقريرية: فهي أن يرى النبي -ﷺ- فعلًا أو يسمع قولًا فيقره، فقد يقع من الصحابة في حضرته -ﷺ- أقوال، وأفعال، فلا ينكرها، وفي ذلك إقرار لها، ومثالها: ما روي أن النبي -ﷺ- لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له بما تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، فضرب رسول الله -ﷺ- وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» ومن ذلك أيضًا: إقراره -ﷺ- لعلي ﵁ في كثير من أقضيته، وإقراره -ﷺ- لمن تيمم من الصحابة للصلاة إذا لم يجد الماء، ثم وجوده بعد الصلاة فلم يتوضأوا، ولم يعيدوا الصلاة، كل ذلك تقريرات من النبي -ﷺ- وهذه تعتبر سنة. فالسنة هي -إذن- سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.
[ ٣١٠ ]
وتعتبر السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة رسوله -ﷺ- وقرن هذه الطاعة بطاعته -﷾- فقال عز من قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) وقال ﷾: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية: ٨٠) قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله -ﷺ- وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجه أن الرسول -ﷺ- لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا عما نهى الله عنه، وعلى هذا أجمع المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا على وجوب الأخذ بالسنة واعتبارها مصدرًا رئيسيًا من مصادر التشريع الإسلامي، وخصوصًا أن بعض الأحكام قد أجملت في القرآن، كوجوب الصلاة والزكاة والحج، ولا يمكن أن نفهم هذه الأحكام إلا بالرجوع إلى بيان السنة لها، فلو لم تكن السنة مصدرًا تشريعيًّا لما أمكننا العلم بمقتضى القرآن والسنة.
وتنقسم السنة المطهرة من حيث الثبوت إلى: سنة متواترة، وسنة مشهورة، وسنة آحاد، فالسنة المتواترة هي ما رواها عن الرسول -ﷺ- إلى آخر السند جمع تحيل العادة تواطئهم على الكذب، على أن يكون هذا الجمع موجودًا في كل طبقة من طبقات السند، لأن العادة تحيل أن يجتمع هذا العدد في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره. نقول: تحيل العادة توطئ هذا العدد على الكذب لكثرتهم واختلاف بيئاتهم ومشاربهم، ويمثل لهذا النوع من السنة المتواترة بما نقل عن
[ ٣١١ ]
النبي -ﷺ- من كيفية أداء الصلاة ومناسك الحج ومقادير الزكاة، وكيفية الأذان، وغير ذلك مما نقل إلينا نقلًا متواترًا منذ عهد النبي -ﷺ- وحتى عصرنا هذا. هذا بالنسبة المتواترة.
أما السنة المشهورة: فهي ما رواها عن الرسول -ﷺ- جمع لا يبلغ حد التواتر، ثم تواتر هذا الجمع بعد ذلك، فالتواتر في السنة المشهورة لم يكن في الحلقة الأولى من السنة، وهذا هو ما يميزها عن السنة المتواترة التي يتوافر فيها التواتر من أول السند إلى منتهاه كما ذكرنا.
والسنة والمشهورة تفيد عند أبي حنيفة وأصحابه العلم اليقيني، ولكنه دون العلم الحاصل من سنة التواتر، ويسمونه أحيانًا بعلم الطمأنينة الذي لا يصل إلى مستوى اليقين وإن كان يشبهه، ولذلك نجد أن الحنفية يوجبون العمل بهذا النوع من السنة، ويقيدون بها الأحكام المطلقة في القرآن ويخصصون بها الأحكام العامة ونحو ذلك.
ونأتي إلى النوع الثالث: وهو سنة الآحاد: وسنة الآحاد هي كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان أو الأكثر عن الرسول -ﷺ- ولا يتوافر فيه شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية، وسنة الآحاد تفيد غلبة الظن، ولا تفيد العلم القطعي، لكون اتصال السند فيها بالنبي -ﷺ- مشتبهًا فيه.
يقول بعض العلماء الاتصال فيه شبهة صورة ومعنى، أما ثبوت الشبهة ففيه صورة، فلأن الاتصال بالرسول -ﷺ- لم يثبت قطعًا، وأما معنى: فلأن الأمة تلقته في القبول، أي: في الطبقة التي تلي التابعين، ولهذه الشبهة في إسناد سنة الآحاد قرر العلماء أنه يجب العمل بها، إن لم يعارضها معارض، ولكن لا يؤخذ بها في الاعتقادات؛ لأن معناها الجزم واليقين، أي: الاعتقادات تعتمد على الجزم واليقين، لكن سنة الآحاد تقوم أو تفيد غلبة الظن، ولذلك لا يؤخذ بها في
[ ٣١٢ ]
الاعتقادات، لأن الاعتقادات -كما قلنا-: مبنية على الجزم واليقين، ولا يكفي فيها غلبة الظن التي تفيدها سنة الآحاد، لأن الظن في الاعتقادات لا يغني عن الحق شيئًا.
ويشترط للعمل بخبر الواحد عند أبي حنيفة -زيادة على الثقة بالراوي وعدالته-: ألا يخالف عمله ما يرويه، يعني: ألا يخالف الراوي الحديث الذي رواه، ومن ذلك ما روي أن أبا هريرة كان يروي خبر: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب الطهور فإن أبا حنيفة لم يأخذ به يعني: لم يشترط السبع مرات؛ لماذا؟ قالوا: لأن أبا هريرة نفسه -وهو راوي الخبر- كان يأخذ به، فكان يكتفي بالغسل ثلاثًا، فيكون هذا أمارة الضعف في الرواية في صدق نسبتها إلى نفس الراوي.
ويشترط مالك ﵁ للعمل بسنة الآحاد: ألا تخالف ما عليه أهل المدينة؛ لأنه من مذهبه أن ما عليه أهل المدينة في الأمور الدينية اشتهرت روايته واستفاضت فلا يخفى على أحد.
يقول الشيخ أبو زهر في هذا المقام: فمالك في هذا كشيخه ربيعة الرأي، يرى: أن عمل أهل المدينة في أمر ديني هو رواية ألف عن ألف حتى يصل إلى النبي -ﷺ- فإذا خالفها خبر آحاد كان ضعيف النسبة للرسول -ﷺ- فتقدم عليه. فتقديم عمل أهل المدينة على سنة الآحاد عند مالك هو تقديم مشهور مستفيض متواتر على خبر الواحد، وليس ردًا مجردًا لخبر الآحاد، أي: أن الإمام مالك لا يرد خبر الآحاد، لكن خبر الآحاد إذا تعارض مع عمل أهل المدينة عند الإمام مالك فإنه يقدم عمل أهل المدينة، لكن هذا ليس معناه أنه يرفض العمل بخبر الآحاد.
نعود بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الأصلي وهو: كون سنة النبي -ﷺ- مصدرًا من مصادر الأحكام الدستورية والسياسية في النظام الإسلامي.
[ ٣١٣ ]