ثم نتحدث الآن عن النظام المالي للأمويين: صاحب قيام الدولة الأموية تطورًا هامًّا في النظام المالي قوامه حصول الولايات على أكبر قدر من الاستقلال في شئونها المالية، ذلك أن النظام الإداري اللامركزي للأمويين تطلب منح الأمراء في الولايات سلطانًا واسعًا، ليس في شئون الإدارة فحسب، بل وفي شئون المال أيضًا.
وقد حاول الأمويون في بعض الأحيان فصل الشئون الإدارية عن الشئون المالية بغية دعم سلطانهم على الولايات، غير أن متطلبات النظام الإداري اللامركزي، وما
[ ١٢٥ ]
اقترن به من تحول بعض الولايات إلى قواعد للفتح والتوسع، اقتضى ذلك ضم شئون المال -أي الخراج- في الولاية إلى الأمير أو تفويضه تعيين عمال الخراج من قبله، وصار لكل ولاية نظامها المميز لها بحسب ما أبقاه كل أمير من نظم الولاية المحلية، إلى جانب القواعد التي سبق إقرارها وفق النظام المالي للخليفة عمر بن الخطاب، واكتسب النظام المالي للأمويين بالتالي خصائص جديدة، تمثلت في وجود موارد شرعية سبق أن نظمتها الشريعة والسوابق الإسلامية، وأيضًا وجود موارد استثنائية جاءت وليدة إحياء العرف المحلي للولايات، وتجلت هذه الظاهرة الجديدة للتنظيم المالي الأموي في كل من ولاية العراق والشام ومصر.
وإذا نظرنا إلى العراق مثلًا كنموذج لهذا التنظيم الجديد للأمويين، الذين أحدثوا بعد الموارد الجديدة التي لم تكن موجودة أيام الخلفاء الراشدين، فقد حافظ الأمويون على التنظيم المالي الذي سبق أن أقره الخليفة عمر بن الخطاب من حيث الجزية والخراج، ولكن بدأ الخليفة معاوية بن أبي سفيان يعمل على زيادة موارد الدولة من هذه الولاية، عن طريق إحياء بعض التقاليد المحلية التي اعتاد الناس القيام بها زمن الساسانيين، ونقصد بالساسانيين هؤلاء الحكام الذين كانوا يحكمون هذه البلاد قبل أن يدخلها الإسلام.
أقول: أراد معاوية أن يأتي بموارد جديدة غير الموارد التي كان متعارفًا عليها أيام عمر بن الخطاب، وهي الجزية والخراج، تتمثل هذه الموارد الجديدة في الحصول على المال عن طريق إحياء بعض التقاليد المحلية التي اعتاد الناس القيام بها زمن الساسانيين، فطالب أهل السواد أن يهدوا له في عيد النيروز والمهرجان، يعني يعطوه هدايا، فبلغ عشرة آلاف ألف درهم، وكان النيروز من أعياد الفرس الجليلة ويقع عند دخول فصل الصيف، ويعتبر إيذانًا عندهم بافتتاح الخراج، وتولية العمال وضرب الدراهم، أما المهرجان فكان يقع عند
[ ١٢٦ ]
دخول الشتاء وفصل البرد؛ حيث جرت العادة بتقديم الفرس الهدايا لملوكهم، وغدا إحياء هذا التقليد المالي القديم يمثل موردًا جديدًا من موارد ولاية العراق زمن الأمويين إلى جانب الجزية والخراج. معنى ذلك أن هناك نوع جديد من الموارد المالية أضيف إلى موارد الإسلامية فأضافوا إلى الجزية والخراج موردًا آخر هذا المورد الآخر هو ما يسمى بهدايا النيروز والمهرجان -عيدان عند الفرس- وكانت عادة هؤلاء القوم أنهم في هذه الأعياد يقومون بإعطاء الملوك هدايا، هذه الهدايا كانت تبلغ مبلغًا كبيرًا؛ لذلك أحيا هذه العادة الأمويون الهدايا التي كانوا يعطونها قبل ذلك لملوكهم -أي قبل أن يدخل الإسلام عندهم.
هذا نوع جديد وهذا نوع من التنظيم جديد لموارد بيت المال، لم يكن موجودًا أيام النبي -ﷺ- ولا أيام أبي بكر، ولا أيام عمر، ولا أيام عثمان، بل ابتدع ذلك الأمويون، وعمد معاوية أيضًا إلى زيادة موارد العراق عن طريق استصلاح الأراضي في منطقة تسمى البطائح، وهي الأرض الواطئة الممتدة بين البصرة والكوفة المغمورة بالمياه، واستطاع عن طريق عمال الخراج في ولاية العراق استصلاح ضياع واسعة، بلغت غلتها خمسة آلاف درهم، بحساب هذه الأيام، وصار هذا العمل الذي قام به معاوية تقليدًا هامًّا اتبعه سائر من جاء بعده من الخلفاء، حتى صارت موارد العراق تستمد قدرًا كبيرًا من تلك الأراضي الجديدة.
هذا هو المورد الثاني من الموارد التي أنشأها الأمويون زمن حكمهم، قلنا: المورد الأول هو الهدايا التي كانت تعطى لهم من سكان هذه البلاد أيام أعيادهم وهو النيروز والمهرجان.
المورد الثاني الذي أنشأه الأمويون هو استصلاح الأراضي، فكانت هناك أراضٍ شاسعة ليس بها زرع، فقاموا باستصلاح هذه الأراضي، وعندما استصلحت هذه الأراضي وضعوا عليها الضريبة وغير ذلك؛ ولذلك أصبحت هذه الأراضي تأتي بأموال طائلة؛ ولذلك استصلاح الأراضي أصبح سنةً متبعةً منذ عهد الأمويين وأصبح يحرص عليه من يأتي بعدهم في الحكم. فهذه الأراضي التي استصلحت إنما كانت تأتي بمورد ثابت من الموارد المالية للدولة الإسلامية في عهد الأمويين.
وأيضًا اهتم ولاة الأمويين في العراق بتنظيم أداتهم المالية لتحقيق أكبر قدر من الموارد، فاستخدم عبيد الله بن زياد الدهاقين -وهم رؤساء القرى- لخبرتهم بالشئون المالية عن العمال العرب، أيضًا هذا نوع من الأنواع التي لجأ إليها الأمويون من أجل زيادة الأموال التي تجيء إليهم فجعل هناك أيضًا كنوع من الموارد الجديدة أنهم غيروا العمال المسلمين بعمال آخرين يسمون الدهاقين -وهم رؤساء القرى- وذلك من أجل خبرتهم بالشئون المالية من العمال العرب، وهؤلاء إنما يراعون حاجة الدولة من الأموال، وقد لا يراعون حاجة المسلمين؛ ولذلك استخدموهم بدل المسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٤ - النظام المالي في عهد الأمويين وعمر بن عبد العزيز