الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد الرسول -ﷺ- ونتحدث الآن عن النظام المالي في عهد أبي بكر الصديق -﵁ وأرضاه- فنقول: لم يختلف النظام المالي في عهد أبي بكر -﵁- عن عهد الرسول -ﷺ- حيث كانت الموارد المالية للدولة في عهده هي نفس الموارد التي كانت موجودة في عهد رسول الله -ﷺ- من زكاة وغنائم وفيء وجزية، وقد سار أبو بكر على نفس السياسة المالية التي سار عليها رسول الله -ﷺ- فسوى -﵁- في العطاء بين الناس، يروى عنه أنه قال: من كان له عند النبي -ﷺ- عدة فليأتِ، يعني: من كان قد وعده النبي -ﷺ- بشيء من المال فليأت إلينا، من كان له عند النبي -ﷺ- عدة فليأت، فجاء جابر بن عبد الله فقال: قال لي رسول الله -ﷺ-: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا، فقال له أبو بكر: خذ فأخذ ما يكفيه، ثم عده فوجد خمسمائة، فقال: خذ إليها ألفًا، فأخذ ألفًا، ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله -ﷺ- وعده شيئًا، وبقيت بقية من المال فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى، فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان.
فلما كان العالم المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك فقسمه -﵁- بين الناس فكان نصيب كل إنسان عشرين درهمًا، فجاء ناس من المسلمين، فقالوا: يا
[ ٩٦ ]
خليفة رسول الله، أنت قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم في الإسلام، فلو فضلت أهل الثوابت والقدم والفضل بفضلهم، يعني: كأنهم يطلبون من أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- ألا يسوي بين الناس في العطاء، يعني: شيء شبيه بالرواتب التي تعطيها الدولة للموظفين، يطلبون منه ألا يسوي بين الناس في العطاء، لكن يفاضل بينهم بحسب منزلة الإسلام في كونه سبق غيره في الإسلام أو كانت له منزلة في الإسلام فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل، فما أعرفني بذلك -يعني: أنا أعرف ذلك معرفة جيدة- وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة.
لأن سيدنا أبو بكر لم يوافقهم على ذلك، وهو التفاضل بين الناس في العطاء، وإنما قال لهم أعرف هؤلاء الناس الذين كان لهم منزلة في الإسلام وسبق في الإسلام، وهكذا، فهذا ثوابه على الله ﷾، لكن المال إنما هو معاش للناس يتعيشون منه فالأسوة فيه والمساواة فيه خير من الأثرة، يعني خير من أن أفضل بعض الناس على بعض في ذلك.
ويستبين لنا من هذا أن أبا بكر -﵁- كان يسوي في العطاء بين الناس، ولم يجامل أصحاب الفضل في نصرة رسول الله -ﷺ- ولا من كان له سبق اعتناق الإسلام؛ لأن ما كان يعطيه للناس هو معاش لهم.
التأليف على الإسلام: سار أبو بكر -﵁ وأرضاه- على سياسة النبي -ﷺ- في تأليف قلوب بعض الناس على الإسلام أو دفع شرهم عنه أو تثبيتًا لإسلامهم لضعف عقيدتهم، فكما كان النبي -ﷺ- يعطي لثلاث فئات من الناس، كما قلنا، فإن سيدنا أبو بكر أيضًا حرص على أن يعطي هذه الفئات الثلاث من الناس، فهو
[ ٩٧ ]
يريد أن يؤلف قلوبهم أو يدفع شرهم أو يثبت إسلامهم، كما فعل سيدنا رسول الله -ﷺ- إلا أنه حدث أن جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، يطلبان أرضا من أبي بكر فوافق على ذلك، وكتب لهما بهما خطابًا وكان عمر بن الخطاب موجودًا فتناول الخطاب ومزقه.
كأن سيدنا عمر بن الخطاب لم يعجبه هذا الصنيع من أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- ولم يوافق سيدنا أبا بكر على أن يعطيهم شيئًا من أراضي الدولة الإسلامية، ومزق هذا الخطاب وقال لهم: هذا شيء كان رسول الله -ﷺ- يعطيكموه ليتألفكم على الإسلام والآن وقد أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم، فإن تبتم إلى الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية: ٢٩) فقالا لأبي بكر: يعني: عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، قالا: لأبي بكر الخليفة أنت أم عمر، يا أبا بكر؟!!.
فهم يكلمون أبا بكر ويقولون له: منِ الخليفة؟ وكلام منْ يسري؟ أنت تريد أن تعطينا الأرض تأليفًا للقلوب وهو يمنعنا من ذلك فمن الخليفة أنت أم عمر؟!! فقال سيدنا أبو بكر الحكيم: هو إن شاء الله، وأقر عمر على رأيه. يعني سيدنا أبو بكر رضوان الله ﵎ عليه وافق عمر على ما فعله، ولم يعط لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ما طلباه منه من أرض.
وقد حاول بعض الناس الامتناع عن دفع الزكاة بعد موت النبي -ﷺ- واستندوا في ذلك إلى قوله -﵎-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) وبعد ما مات النبي -ﷺ- امتنعوا عن دفع الزكاة، لماذا تمتنعون عن دفع الزكاة؟ قالوا: لأن الله ﵎ أمر رسوله بأن يأخذ الزكاة عندما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) وقد مات النبي -ﷺ- فلا ندفع تلك الصدقة أو لا ندفع تلك الزكاة. فهموا من الآية: أن النبي -ﷺ- هو الذي يأخذ منهم الزكاة، فإذا مات -ﷺ- فلا يدفعون تلك الزكاة، ولذلك وقف سيدنا أبو بكر موقفًا حازمًا حيال هذا التأويل الخاطئ للآية. فثار أبو بكر، ولم
[ ٩٨ ]
يعجبه ذلك، رغم لين طبعه ووافر حلمه، واتخذ موقف الشدة والحزم معهم، وقرر مقاتلة من يمتنعوا عن دفع الزكاة وجبايتها منهم بالقوة المسلحة، وهنا بادره عمر بن الخطاب -﵁- قائلا: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال الرسول -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله».
سيدنا أبو بكر عندما أراد أن يقاتل هؤلاء الذين امتنعوا عن أداء الزكاة بسبب هذا التأويل الخاطئ للآية، اعترض على ذلك سيدنا عمر بن الخطاب، وقال له: يا أبا بكر! الرسول -ﷺ- بين في الحديث أن الإنسان إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فلا يقاتل، عندما قال -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» فكأنه يعترض على سيدنا أبي بكر، يعني: لماذا تريد أن تقاتلهم وهؤلاء يشهدون أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله، وكل ما حدث منهم، أنهم امتنعوا عن دفع الزكاة، فرد أبو بكر على عمر وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق، والله لو منعوني عناقًا -وهي الشاة الصغيرة- كانوا يؤدونها إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم على منعها" كان موقفًا حازمًا من سيدنا أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- لأنه نظر إلى أن الزكاة هي شبيهة بالصلاة، بدليل أن النبي -ﷺ- ذكر ذلك في أركان الإسلام، عندما قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا» فكانت الزكاة في مرتبة واحدة مع الصلاة، هي ركن من أركان الإسلام، كما أن الصلاة هي ركن من أركان الإسلام، ولذلك سيدنا أبو بكر رد على سيدنا عمر عندما قال له: النبي -ﷺ-
[ ٩٩ ]
يقول: «من قال: لا إله الله. عصم مني ماله ودمه إلا بحقها» وهذا حق الإسلام وهي الزكاة، ولذلك قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر -﵁- فعرفت أنه الحق.
إذن سيدنا عمر الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان الحق يجري على لسانه كما أخبرنا -ﷺ- وافق أبا بكر على ما فعل، وهو أنه أراد محاربة هؤلاء الذين يمتنعون عن الزكاة -هذا المورد الإسلامي- وبين له سيدنا أبو بكر السبب، فاقتنع ووافقه على ذلك.