وإذا تحدثنا عن النظام المالي في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نقول: كان علي بن أبي طالب أقرب إلى عمر في سياسته المالية من شدة وتقتير على نفسه، وعلى أقرب الناس إليه، رحيما مع الرعية عطوفًا عليهم، يرعى مصالحهم ويهتم بشئونهم، فقد روي أن أخاه عقيلًا طلب إليه شيئًا من بيت المال لم ير علي أن له حقًّا فيه فمنعه من ذلك وقال له ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك، ولكن اصبر حتى يجيء مالي فأعطيك منه، فأغضب هذا القول عقيلًا وتركه وذهب إلى معاوية في الشام.
كما كتب -﵁- إلى أحد ولاته يقول له: وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في إصلاحه وصلاحهم صلحًا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، كأن سيدنا علي بن أبي طالب بفراسته يقول لأحد ولاته ويوصيه بأمر الخراج ويقول له: إذا أردت أن ينصلح حال
[ ١٢٤ ]
الناس جميعًا فعليك أن تصلح الخراج -تصلح أرض الخراج- وتهتم بأرباب هذه الأرض، وأصحاب هذه الأرض الذين يقومون بزراعتها؛ لأنك إذا أصلحت وكان هناك اهتمام بهذه الأرض التي تأتي بالزرع، فهذا معناه أن الخراج سوف يزيد، ولن يزيد هذا الخراج ولن تنصلح هذه الأرض إلا إذا صلح أمر القائمين على زراعتها، هكذا كان يقول سيدنا علي بن أبي طالب إلى ولاته.
ويقول له أيضًا: وليكن لك نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج يعني اهتم أولا بعمارة الأرض، وإصلاح الأرض، قبل أن تنظر في الخراج الذي يأتي منها، نعم؛ لأنه إذا لم تكن صالحة للزراعة فلن تأتي بخراج، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة يعني هذا الخراج الذي تريد الحصول عليه لن تحصل عليه إلا بعمارة الأرض وبالاهتمام بهذه الأرض؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد. يعني الذي أو الوالي الذي يضع نظره على الخراج فقط ويريد أن يأخذ الخراج فقط دون أن ينظر إلى هذه الأرض التي تأتبنا بالخراج فإن سياسته سوف تؤدي إلى خراب الديار، لماذا؟ لأنه لن يأتي الخراج -كما قلنا- وفيرًا إلا إذا قمنا بعمارة وإصلاح الأرض التي تأتينا بهذا الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلًا، وإنما يأتي خراب الأرض من إعواز أهلها، يعني هذه الأرض التي تأينا بالخراج متى تكون خرابًا؟ تكون خرابًا إذا أهملنا أصحابها، إذا أهملنا القائمين عليها؛ عندئذٍ لن يقومون بإصلاح هذه الأرض ولا بزراعة هذه الأرض كما ينبغي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى خرابها؛ وبالتالي فليس هناك خراج. ولم يستقم أمره إلا قليلًا وإنما يأتي خراب الأرض من إعواز أهلها، يعني من حاجتهم إلى المال، وإنما يعوز أهلها لإشراف الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبرة. يعني هؤلاء الذين يتولون الخراج؛ إذ لم يهتمون بهذه الأرض وبأصحاب هذه الأرض ففي هذه الحالة لن نحصل على الخراج، وسوف يترتب على ذلك خراب هذه الأرض وبالتالي فلا خراج.
وهذا الكتاب الذي كتبه علي بن أبي طالب إلى أحد ولاته ينطوي على أسس ومبادئ سامية في أساس فرض الضرائب، وتنظيمها ويدعم النظام المالي للدولة بقواعد متينة تزيد من عمرانها وحفظ أموالها، ويحول دون خرابها وإفلاسها.