الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرات السابقة عن طرق انعقاد الإمامة العظمى عند جمهور الفقهاء، والتي تتمثل في اختيار أهل الحلّ والعقد، وتتمثل أيضًا في العهد من الإمام السابق، وتتمثل أيضًا في الوصول إلى السلطة عن طريق القهر والغلبة أو ما يسمى بلغة العصر الانقلابات العسكرية.
وقلنا بأن بعض الشيعة يقولون بأن الإمامة لا تنعقد بالاختيار وإنما تنعقد بطريق واحد فقط هو النص على الإمام، وبناء على ذلك فهم يقولون: إن النبي -ﷺ- نص على إمامة من يأتي بعده، وكذلك كل إمام يجب أن ينصص على من يأتي بعده.
وسوف نواصل الآن الحديث في ذلك فنتحدث عن أدلة الشيعة في ذلك، وسوف نقوم بالردّ عليها فنقول وبالله التوفيق:
حاول الشيعة الإمامية أن يثبتوا أنه لا يتصور أن يفارق الرسول -ﷺ- الحياة قبل أن يوصي بالإمام، ثم رتبوا على ذلك أمرًا آخر فقالوا: إنه ما دام الرسول -ﷺ- قد أوصى بالإمامة فالذي أوصى له هو علي بن أبي طالب، واستدلوا على ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول قالوا: إنه قد جرت عادة النبي -ﷺ- ألا يخرج من المدينة إلا وقد استخلف عليها من يقوم بأمر المسلمين فيها، ولم تتخلف عادته في ذلك ولا مرة واحدة، وإذا كانت هذه هي عادته في الحياة فلا بد وأن يكون قد راعى ذلك بالنظر إلى الوقت الذي يتركهم فيه إلى الرفيق الأعلى؛ لأن رعاية مصالح المسلمين عند غيبته ممكنة وإن كانت شاقة إلا أنها بعد مماته غير ممكنة.
والأمر الثاني الذي استدلوا به على أن النبي -ﷺ- نصّ على الإمام: أن الرسول -ﷺ- قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» وكما أنه يجب على الوالد المشفق على أولاده رعاية مصالحهم حال حياته فإنه يجب عليه أيضًا رعايتها بعد مماته لئلا يضيعوا، ومن المعلوم أن الرسول -ﷺ- لو لم ينصص على من يلي أمرهم بعده؛ لضاعوا في دنيهم ودنياهم فوجب القطع بأنه قد نصّ على الإمام بعده.
والأمر الثالث الذي استدلوا به قالوا: من المعلوم أن الرسول -ﷺ- قد بالغ في الشفقة على أمته، وأرشدها إلى كل ما هو أصلح حتى في الصغير من الأمور لدرجة أنه علمهم في كيفية الاستنجاء ثلاثين أدبًا، وإذا كان الأمر كذلك وإذا كانت خلافة الرسول -ﷺ-
[ ٥٥٥ ]
تتوقف عليها أعظم المصالح في الدنيا والدين أفلا تكون أولى باهتمام الرسول -ﷺ- بها ولا يترك أمته إلا وقد أرشده إلى من سيلي أمورهم بعده.
وأما الأمر الرابع الذي استدلوا به على نصّ النبي -ﷺ- على الإمام قالوا: إن الرسول -ﷺ- لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد كمُل الدين كما قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: من الآية ٣) وإذا كانت الإمامة أعظم أركان الدين فلا بد وأن تكون هي الأخرى قد تمت قبل وفاته، ولا يمكن أن تكون قد تمت إلا إذا كان الرسول -ﷺ- قد نصّ على من يكون إمامًا بعده.
ثم قالوا: فهذه الأمور الأربعة تدل دلالة واضحة على أن الرسول -ﷺ- قد نصّ في حياته على شخص معين يلي أمر الأمة بعده.
هذه هي الأدلة التي استدل بها الشيعة الإمامية على أن الإمام لا يتعين إلا بالنص عليه، لكن جمهور العلماء قد ردوا عليه بالردود الآتية:
أولًا: أن هناك من الأحاديث والآثار الكثيرة ما يصرّح بأن الرسول -ﷺ- لم ينصّ على إمامة أحد، فقد روي عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: «قيل: يا رسول الله من تؤمر؟ فقال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًّا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًّا يأخذ بكم الطريق المستقيم» وهذا هو ابن عمر يقول: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيرًا، ثم قال له: استخلف فقال: أتحمل أمركم حيًّا وميتًا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر- وأن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني: رسول الله ﷺ.
[ ٥٥٦ ]
ولما جُرح علي بن أبي طالب دخل عليه الناس يسألونه فقالوا: يا أمير المؤمنين أرأيت إن فقدانك أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم وأنتم أبصر، فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله -ﷺ.
ثانيًا: من الأدلة أو من الردود التي ردّ بها الجمهور على الشيعة: يقول الجمهور: إن عليًا -﵁- أظهر موافقته على خلافة أبي بكر، ثم رضي مع الناس بالعهد الذي عهده أبو بكر إلى عمر، بل علّق رضاه على أن يكون المعهود عليه عمر بن الخطاب، فقد روي "أنه لما ثَقُل أبو بكر أشرف على الناس من قوة فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقام علي فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر".
فلو كان هناك من نصّ رسول الله -ﷺ- على إمامة علي لما رضي بخلافة أبي بكر وبخلافة عمر، ولأظهر هذا النص ولقام يدافع عنه ويمنع غيره من أن يتولى إمامة المسلمين، وها نحن قد رأينا أبا بكر يقف أمام الأنصار مدافعًا عن اختصاص قريش بالإمامة مستدلًّا بحديث: «الأئمة من قريش» فأطاعه الأنصار وانقادوا لخبر الواحد وتركوا ما كانوا يدافعون عنه، فكيف نتصور أن يكون هناك نصّ جليّ متواتر عن رسول الله -ﷺ- في إمامة علي بن أبي طالب ولا يكون هو مدافعًا عن حقه في الإمامة بين قوم ينقادون لخبر رسول الله -ﷺ- ولو كان خبر واحد؟ وما يدعيه الإمامية من أن رضا عليّ بخلافة أبي بكر وعمر كان من قبيل التقية لا يُصدق، إذ شجاعة علي ابن أبي طالب مشهورة ومواقفه البطولية في المعارك التي خاضها مع رسول الله -ﷺ- وفي الجمل وصفين ليست محلّ جدل، فكيف يتصور منه وحاله من الشجاعة ما عرفناه كيف نتصور منه أن يجبن وأن يلزم السكوت عن إبداء حقه إذا كان الرسول -ﷺ- قد نصّ على أنه الإمام بعده؟
[ ٥٥٧ ]
ثالثًا: ومن الردود التي ردّ بها الجمهور على الإمامية الشيعة: قالوا: أنه لما مرض رسول الله -ﷺ- طلب العباس من عليّ أن يذهبا إلى رسول الله -ﷺ- فيسألاه فيمن أمر بالخلافة ولم يوافقه عليّ على هذا، والقصة كما رواه البخاري هي: "أن العباس أخذ بيد علي بن أبي طالب في وجعه -أي: في مرض رسول الله -ﷺ- الذي توفى فيه- قائلًا له: اذهب بنا إلى رسول الله -ﷺ- فنسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله -ﷺ- فمُنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله -ﷺ-".
والتعقيب على ذلك: أنه لو كان هناك نصّ من رسول الله -ﷺ- على إمامة علي لما كان هناك داع إلى هذا الحوار الذي دار بين علي والعباس، فموقفهما يدلّ على أن الرسول -ﷺ- لم ينصّ على إمامة علي -﵁.
رابعًا: ومن الردود التي ردّ بها الجمهور على الإمامية الشيعة: قالوا: أنه قد نُقل متواترًا عن الصحابة أنهم كانوا يعتقدون أنه لا نصّ من رسول الله -ﷺ- على إمامة أحد، فبدعة النصّ الجلي إذًا لم يعتقدها الصحابة ولم تشتهر في عصر التابعين، فلو كان هناك نصّ جليّ من رسول الله -ﷺ- على إمامة عليّ بن أبي طالب والأمر كذلك فلا يخلو حال الصحابة من أحد أمرين: إما أن يكون هذا النص الجلي قد بلغهم من رسول الله -ﷺ- ولكنهم أخفوه، أو لم يبلغهم هذا الخبر من رسول الله -ﷺ- أصلًا، فأما احتمال أن يكون هذا النص قد بلغهم من رسول الله -ﷺ- ولكنهم كتموه فهو احتمال باطل يُنبئ عن عفنٍ فكري وعن زيغ في العقيدة وهوى وغرض في المجادلة؛ وذلك لأن هذا الاحتمال هو في حقيقته اتهام لصاحبة رسول الله -ﷺ- بعدم امتثال أوامر الله ورسوله مع أن فيهم السابقين الأولين من المهاجرين
[ ٥٥٨ ]
والأنصار، وفيهم العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المثل العليا في الهداية والانقياد لله ورسوله، وشهرتهم في صفاء القلوب وخلوص العقيدة عن الضغائن والأحقاد مما لا يمكن أن يكون موضعًا لجدال، وعلى هذا فإنه يجب أن نقول: إنه لم يوجد أصلًا نصّ عن رسول الله -ﷺ- على إمامة عليّ بن أبي طالب ولا على إمامة غيره، ولو وجد مثل هذا النص لبلغوه -﵃.
بهذا نكون قد انتهينا من الطريق الذي قال به الإمامية من الشيعة في تقليد الإمامة أو في انعقاد الإمامة وهو النص، وقد رأينا ردود الجمهور عليهم، ونكتفي بهذا القدر من طرق انعقاد الإمامة.