الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
تحدثنا في المحاضرة السابقة عن بقية مصادر الأحكام السياسية في الإسلام، ثم انتقلنا إلى الحديث عن قواعد النظام السياسي في الإسلام، فتحدثنا عن القاعدة الأولى وهي الحاكمية لله وحده، ثم بدأنا الحديث عن القاعدة الثانية التي تتمثل في الشورى في الإسلام، وذكرنا دليلها من الكتاب، وها نحن نواصل الآن الحديث عن دليلها من السنة، فنقول: وفي غزوة أحد شاور الرسول -ﷺ- المسلمين وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها.
فانقسم المسلمون إلى فريقين الأول: ويحبذ الخروج إلى قريش حبًّا في الشهادة؛ لأن بعدهم قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة، كما كان يرى -ﷺ- ولما رأى الرسول -ﷺ- أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية، وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول -ﷺ- على ذلك، قال لهم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لَأْمَتَه أن يضعها حتى يقاتل.
ويعقب البعض على ذلك فيقول على ما حدث في غزوة أحد: بأن الرسول -ﷺ- وإن كان يرى أنه من الخير للمسلمين كما دلت الوقائع بعد ذلك عدم خروجهم لملاقاة قريش الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة في ساحة المعركة المكشوفة، وأن يعسكروا في المدينة، ويدافعوا عنها إذا هوجمت، ولكن لما كانت
[ ٣٥٠ ]
الأغلبية ترى خلاف ما رآه رسول الله -ﷺ- والأقلية التي رأت رأيه فقد نزل رسول الله -ﷺ- على رأي الأغلبية، ومن هذه الواقعة نتبين أيضًا أن النبي -ﷺ- التزم بما انتهى إليه المتشاورون مع أن رأيه الشخصي كان خلاف رأيهم، حيث كان يرى أنه من الأفضل البقاء في المدينة والتحصن بها، فهذا أخذ بمبدأ الشورى في الإسلام إلى أقصى درجة.
وهناك سابقة حدثت في عهد النبوة تعطي تأكيدًا قاطعًا لمسلك النبي -ﷺ- بصدد الشورى، وقد رواها البخاري وغيره من الفقهاء ومجمل القصة أن وفدًا من هوازن قدم إليه أي: إلى النبي -ﷺ- يطلب منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأن النبي -ﷺ- كان قد غزاهم وأخذ منهم الأموال والسبايا، وهم يردون أن يستردوا هذه الأشياء، فلما جاءوا إليه -ﷺ- وطلبوا منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، قال لهم: معي من ترون. يعني: كأن النبي -ﷺ- يقول لهم: معي الصحابة سوف آخذ رأيهم في هذا الموضوع، ولن أستطيع أن أبدي رأيًا دون الرجوع إليهم، قال لهم: معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال.
النبي -ﷺ- قال لهم: لن تأخذوا السبي والمال معًا، لكن اختاروا إما السبي وإما المال، وقال لهم: كنت قد استأنيت بكم، وكان الرسول -ﷺ- قد أنذرهم بضعة عشرة ليلة حين قفل ورجع من الطائف، ولما تبين لهم أن الرسول -ﷺ- لن يرد إليهم إلا إحدى الطائفتين اختاروا السبي فقام الرسول -ﷺ- وقال أما بعد: فإن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك، فليفعل. أي: من أحب منكم أن يرد إليهم السبي الذي أخذه فليفعل -يعني يرده إليهم، وله الثواب من الله ﵎، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل.
[ ٣٥١ ]
أي: أن النبي -ﷺ- قال للصحابة من كان عنده شيء من السبايا فإن اختار أن يرد ذلك إلى هؤلاء القوم، أي إلى اليهود بدون مقابل فليفعل، أما من كان عنده شيء من السبايا ولا يريد أن يرده بدون مقابل فليرده وسوف نعطيه ما يقابل ذلك عندما يفيء الله علينا يعني عندما يمن الله علينا بالمال، فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله.
يعني: وافقنا يا رسول الله على ما تقول وسوف نرد هذه السبايا بدون مقابل، فقال رسول الله -ﷺ-: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، يعني: كأنه -ﷺ- يقول لهم: أنا لم أتأكد من الذي أذن ورضي، ومن الذي لم يأذن ولم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.
فهذه الواقعة تبين من ناحية أن الرسول -ﷺ- كان يشاور المسلمين فيما يعرض عليه من حوادث ووقائع، ومن ناحية أخرى فإنها تدل على الأخذ بنظام التمثيل والنيابة وهو ما يستدل من قوله -ﷺ- حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم يعني إناس تختارونهم يوصلون إلينا أمركم.
ولم يقتصر الرسول -ﷺ- على المشاورة في الأمور العامة والخطيرة التي تهم المسلمين جميعًا، وإنما شاورهم في أخص أموره الشخصية، كما حدث عندما أخذ يشاور كبار الصحابة فيما يتخذه مع أم المؤمنين عائشة، عندما رماها أهل الإفك من المنافقين بتهمة باطلة وكان القصد من ذلك الإساءة إلى الإسلام والمسلمين على النحو المعروف في القصة الشهيرة بقصة الإفك، ولما كان البت في مثل هذه المسألة له تأثير كبير على نفوس المسلمين، فإن الرسول -ﷺ- لم يستقل فيها برأي، وإنما طرح المسألة على المؤمنين، ليأخذ رأيهم وقد نزل القرآن بعد ذلك يثبت براءة عائشة رضوان الله ﵎ عليها.
[ ٣٥٢ ]
أيضًا كان الرسول -ﷺ- يمدح الشورى ويحث المسلمين على تحقيقها ويشاور المسلمين في معظم الأمور التي تعرض له كما بينا، وقد أكد أبو هريرة -﵁- ذلك بقوله: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله -ﷺ.
وقد روى الفقهاء أحاديث كثيرة عن الرسول -ﷺ- في الشورى منها: «المستشار مؤتمن» ومنها: إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنه قال أيضًا: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم وقال: ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار وقال: ما شقي قط عبد بمشورة وقال أيضًا: المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة وقال أيضًا: من أراد أمرًا فشاور فيه امرءا مسلمًا وفقه الله لأرشد أموره وقال: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس وقال: وما استغنى مستبد برأيه، وما هلك أحد عن مشورة وفي رواية: وما يستغني رجل عن مشورة وقال: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها -أي: المشاورة- ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًّ ويعقب الشيخ/ رشيد رضا على ذلك بقوله: أي: شرعها الله -﷾- لتحقق الرشد في المصالح ومنع المفاسد؛ فإن الغي هو الفساد والضلال، وقال -ﷺ-: استعينوا على أموركم بالمشاورة.
وفي كثير من الأمور الدنيوية كان -ﷺ- يرجع إلى المسلمين، وفي هذا النطاق يروى عنه -ﷺ- قوله: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به» ومن هنا فإن الرسول -ﷺ- كان ينزل على آرائهم في أمور الدنيا.
[ ٣٥٣ ]
وبعد عرض هذه السوابق التي حدثت إبان عصر النبوة، فنأتي إلى الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا عن الشورى، وهو هل كان الرسول -ﷺ- ملتزمًا بمشاورة الصحابة، فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.
مدى التزام الرسول -ﷺ- بالشورى: اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا التساؤل فذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزِمًا للرسول -ﷺ- أي: أن الرسول -ﷺ- ليس ملزمًا بأن يستشير الصحابة في الأمور التي تحدث له، ذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزمًا للرسول -ﷺ- على سبيل الإيجاب وإنما هو من قبيل الاستحباب؛ لتطييب خاطر المسلمين وتألفًا لقلوبهم، ولأن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم كما أن ذلك من باب التكريم والاعتبار لهم وتألفًا لهم على دينهم، وإن كان الله ﷾ قد أغناه عن هذه المشاورة بتدبير أموره وسياسته إياه.
والاتجاه الثاني يرى أن الأمر الوارد في الآية الكريمة هو على سبيل الوجوب، فيما لم يرد فيه وحي فقد يكون لدى المسلمين ما ينتفع به، ومن ثم فيجب الرجوع إليهم. ووفقًا لهذا الرأي فالمشورة إنما هنا تكون على سبيل الوجوب، كما أننا من خلال السوابق النبوية التي أشرنا إلى بعضها أكدنا أن الرسول -ﷺ- لم يخرج عما انتهى عليه المتشاورون.
وإذا رجعنا إلى نطاق هذا الواجب فما هو نطاق هذا الواجب يعني إذا كان النبي -ﷺ- يشاورهم في الأمر هل يشاورهم في كل الأمور سواء أمور دينية أو أمور دنوية أو أمور حربية أو اقتصادية أم ماذا؟ هذا هو ما يعرف بنطاق هذا الواجب.
[ ٣٥٤ ]
نقول: وأما نطاق هذا الواجب، وهو واجب المشاورة، فهو ما لم تتفق عليه الآراء، فرأي يذهب إلى أن ذلك قاصر على المسائل الدنيوية كأمور الحرب وغيرها، أما المسائل الدينية فهي تخرج عن نطاق المشاورة، وليس الرسول ملزمًا بمشاورة المسلمين فيها، حتى في الأمور التي لم ينزل عليه -ﷺ- فيها وحي؛ لأن هذه الأمور مرجعها إلى الله ﷿ ورسوله -ﷺ- بجميع أقسامها وجوبًا وندبًا وإباحة وكراهة وتحريمًا، ولم يكن الرسول -ﷺ- ملتزمًا بالمشاورة في هذه الأحكام الدينية؛ لأن الرأي فيها لله ﷿ وحده عن طريق الوحي؛ لذلك فإن بعض الفقهاء يفسر اللفظ الوارد في آية الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) واللفظ الوارد في سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) بأن المراد هو الأمر الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض، الذي مداره الوحي دون الرأي.
إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من صنع البشر، وهذا محال وباطل، وإنما هو صنع إلهي، ليس لأحد فيه رأي لا في عهد النبي -ﷺ- ولا بعد عهده -ﷺ- ولهذا فإننا نرى الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعرضون رأيهم على رسول الله -ﷺ- إلا بعد أن يتأكدوا بأن ما يعرضون إليه من رأي إنما هو من الأمور التي لم ينزل فيها وحي، وهذا واضح من المناقشة التي جرت بينه -ﷺ- وبين الحباب بن المنذر يوم بدر، إذ أن الحباب قال له عندما نزل في مكان: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فمعنى كلام الحباب بن المنذر أن هذا الرأي لو كان الله هو الذي جعلك تقف فيه فليس لنا أن نبدي برأي، أما إذا كان أمور دنيوية وأمور حرب وكذا فنبدي
[ ٣٥٥ ]
رأينا، هذا معناه أن الصحابة كانت الأمور الدينية لا يبدون فيها رأيًا ويسألون أولًا النبي -ﷺ- هل هذا الأمر يتصل بالدين أو يتصل بأمور الدنيا فإن كان يتصل بأمور الدين لا يبدون رأيًا، أما إذا كان يتصل بأمور الدنيا كالحرب مثلًا فكانوا يبدون رأيهم في ذلك، ومن بين من قالوا بذلك يذهب إلى أن استشارة الرسول -ﷺ- في المسائل الدينية، وإن لم يكن على سبيل الحكم والإلزام إلا إنها كانت تطييبًا لنفوس المسلمين، وهذا لا ينافي أن مرجع الأمور الدينية هو الوحي.
يعني: وإن قلنا بأن النبي -ﷺ- يستشيرهم في أمور الدنيا فقط، لكن إنه -ﷺ- يشيرهم في بعض الأمر أو يستشيرهم في بعض الأمور الدنيوية فهذا ليس واجبًا عليه، وإنما هو من باب تطييب النفوس فقط.
هذا هو الرأي الأول والذي يقول بأن المشاورة إنما لا تكون في الأمور الدينية وإنما تكون في الأمور الدنيوية فقط.
ويذهب البعض الآخر إلى أن نطاق المشاورة يشمل المسائل الدنيوية كما يشمل أيضًا المسائل الدينية، فيما لم ينزل فيه وحي، والوحي يصوب الرسول -ﷺ- في الحالة الأخيرة، إذا ما أخطأ المتشاورن إلا أن هذا الأمر ليس معناه أن الرسول -ﷺ- كان في حاجة إلى المشاورة، وإنما هو تنبيه من الشارع الحكيم لما في الشورى من فضل وحتى تقتضي به الأمة من بعده، هذا هو الرأي الثاني، ونحن نرى أن الاتجاه الذي يرى بأن الشورى ملزمة ويحدد نطاقها في المسائل الدنيوية التي لم يرد فيها نص هو الرأي الأدعى للقبول والراجح في نظرنا ذلك أن المسائل الدينية تخرج عن نطاق المشاورة؛ لأن أساسها والمرجع فيها إلى الوحي سواء أكان بطريق مباشر، وهو ما ينزل به الوحي من نصوص الكتاب أو بطريق
[ ٣٥٦ ]
غير مباشر فيما سنه لهم الرسول -ﷺ- من أحكام؛ لأنه -ﷺ- طاعته واجبة على كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا ولا يجوز أن يعطى الحق للمسلمين في مشاورة تخرج عن نطاق هذه المسائل، لهذا نجد بعض المفسرين يذكرون عن ابن عباس -﵁- أنه كان يقرأ الآية الواردة في سورة آل عمران: وشاروهم في بعض الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أما الجمهور فإنهم لا يأخذون بهذه الزيادة، إلا أنه يرى أن الأمر هنا ليس واردًا على سبيل العموم إذا لا يشاور في التحليل والتحريم، وهذا الاتجاه يتفق مع المنطق والعقل وأساس التشريع الإسلامي.
ويؤيده أن المسائل التي وقعت فيها المشاورة في عهد الني -ﷺ- كانت تتعلق بمسائل دنيوية كمسائل الحرب، وما يتعلق بالمعاملات الجارية بين الناس، ثم نتحدث عن موضوع آخر وهو مدى التزام الرسول -ﷺ- بإتباع ما انتهى إليه المتشاورون إذا قلنا بان النبي -ﷺ- يرجع إلى الصحابة ويستشيرهم في الأمور فإذا اتفقوا على رأي معين فهل يأخذ بهذا الرأي أم أن من حقه أن يخالف هذا الرأي ويأخذ برأي يراه هو نقول: يبقى سؤال أخير فيما يتعلق بالأمر الوارد للرسول -ﷺ- بالمشاورة ومؤداه، هل كان الرسول -ﷺ- وإن كان ملزمًا بالمشاورة على التفصيل الذي بيناه؟ هل كان عليه أن يعمل بما ينتهي إليه أغلبية المتشاورين؟ أي: هل كان ملزمًا بأن يعمل بما انتهى إليه رأي الأغلبية أم لا؟ نقول لم يتفق الفقهاء على إجابة محددة حول هذا السؤال والسبب الذي أدى إلى عدم الجزم بإجابة محددة هو عدم اتفاقهم على تفسير قوله ﷿: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) فيذهب رأي إلى أن الأمر الوارد في الآية ينصرف إلى وجوب المشاورة فإذا انتهت وعزم الرسول -ﷺ- على أمر من الأمور فله أن يمضي فيه ويتوكل على الله تعالى لا على مشاورتهم، أي: أن الشورى واجبة ابتداء لا انتهاء. أي: أنه كان يشاورهم في الابتداء الأمر لكن نتيجة المشاورة لم يكن ملزمًا بها النبي -ﷺ.
[ ٣٥٧ ]
في حين يرى رأي آخر إلى أن الشورى ملزمة ابتداء وانتهاءً بمعنى أن الشورى واجبة عندما يراد البت في أي أمر من الأمور الدنيوية، ولا يجوز الإقدام على أمر من الأمور فيما لم ينزل فيه وحي إلا بإتباع المشاورة، فإذا انتهى المتشاورون إلى رأي فإن هذا الرأي يكون واجب العمل به، وهو ما يستدل من قوله -ﷺ- لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما وما روي عن علي قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن العزم قال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم.
وفي نطاق المفاضلة بين هذين الاتجاهين وهذين الرأيين نرى أن ما رواه الذين يقولون بأن المشاورة ملزمة ابتداء وانتهاء. أي أنه يجب العمل بالرأي الذي انتهى إليه المتشاورون هو الأولى بالقبول والراجح، وإذا كان الاتجاه الأول يتلاءم مع عصر النبوية باعتبار أنه -ﷺ- معصومًا عن الخطأ ومنزهًا عن الهوى، ومن ثم فإنه إذا أقدم على رأي حتى ولو كان يخالف ما انتهى إليه المتشاورون فإنه سيكون الرأي الصواب، وإن لم يكن كذلك فإن الوحي كفيل بأن يوجه الرسول -ﷺ- أما بعد عصر النبوة وانتهاء الوحي فإن القول بأن المشاورة إن كانت واجبة في البداية فهي ليست واجبة انتهاء بحيث يكون للحاكم أن يعزم على رأي حتى ولو كان مخالفًا لما انتهى إليه المتشاورون، نقول هو قول لا نقبله؛ لأنه من ناحية يجعل الشورى أمرًا صوريًّا ووهميًّا بحيث يكون الحاكم قد امتثل إلى هذا الواجب بمجرد المشاورة، حتى ولو كان قد عزم مسبقًا على رأي محدد يخالف رأي الأغلبية من الأمة.
ومن ناحية أخرى فإن هذا القول من شأنه أن يؤدي إلى الاستبداد، والتسلط حيث ينتهي في النهاية إلى عدم إعطاء أي قيمة أو وزن لآراء أهل الشورى، وهم
[ ٣٥٨ ]
علماء الأمة وأهل الحل والعقد فيها، ومن المؤكد أن الشريعة الإسلامية لا تسمح مطلقًا بالتسلط والاستبداد ومن المنهي عنه أن يكون الحاكم طاغوتًا يريد علوًا على الناس، بل يجب أن يخضع لما ينتهي إليه أهل الاجتهاد وينزل على رأيهم، وهذا الرأي يتفق مع ما رواه علي عن النبي -ﷺ- قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد لأن القرار الناتج عن الشورى غير ملزم، فإن ذلك سيؤدي إلى الحد من تطبيق الشورى والعمل بها وهو ما يؤدي إلى ضياع هذا الواجب كلية.
ونتحدث الآن عن تطبيقات الشورى في عصر الخلفاء الراشدين:
وإذا ما نحن ألقينا بعض النظر على هذا المبدأ بعد عصر النبوة فإننا نجد بعض الفقهاء يوسع من نطاق الشورى ويجعلها واجبة في كل المسائل التي لم ينزل فيها وحي، بعد أن يخرج أو أن يخرج المسائل الدينية المتعلقة بالعقيدة؛ لأن النصوص قد بينتها على سبيل الحصر، ولا مجال فهيا للمشاورة.
أما عدا هذه المسائل سواء تعلقت بمسائل الحرب أو غيرها من المسائل التي تدخل في نطاق السلطات السياسية إن كانت متعلقة بالأحكام فالشورى فيها واجبة ابتداء على رأي وابتداء وانتهاء على رأي آخر على التفصيل الذي بيناه في الشورى في عصر الرسول -ﷺ- وهذا الرأي يجد سنده في السوابق التي حدثت في عصر الصحابة، فقد تشاورا في الخلافة، وفيما يجب إتباعه مع أهل الردة وتشاورا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده وتشاورا في مسائل الحروب وغيرها.
[ ٣٥٩ ]
وكان أبو بكر ﵁ إذا ما عرضت عليه مسألة من المسائل فإنه يبحث عن حكمها أولًا في القرآن الكريم، فإن وجد ما يقضي به فإنه يحكم به، وإن لم يكن في القرآن حكم لهذه المسألة رجع إلى السنة، فإن وجد حلًّا لها فيها كان به، فإن أعياه الوصول إلى حكم المسألة من القرآن أو السنة، سأل الناس هل علمتم أن رسول الله -ﷺ- قضى فيه بقضاء، فإذا أرشده واحد منهم إلى حكم من النبي -ﷺ- في هذه المسألة قضى به، وإلا جمع الناس فاستشارهم فإذا اجتمعوا على رأي قضى به.
ونفس الطريقة كان يلتزم بها عمر بن الخطاب، إلا أنه كان يضيف إلى القرآن والسنة ما كان يسلكه أبو بكر ﵁، فإن لم يجد حكمًا للمسألة في هذه المصادر استشار الناس واتبع ما ينتهي إليه المتشاورون، وكان يأبى أن ينفرد بالرأي في أي مسألة تعرض له، وإنما كان يجمع لها كبار الصحابة من أهل بدر، ويشاورهم فيها.
وقد سار عثمان ﵁ على هذا المنهج فكانت الشورى لها مكانتها خلال ست سنين من خلافته إلى أن تم لبني أمية الاستيلاء على مقادير الأمور في عهده، الأمر الذي أدى إلى عدم مراعاة هذا الواجب، وظل الأمر كذلك حتى قتل عثمان ﵁، وبعد استشهاده وتولي علي الخلافة بمقتضى البيعة العامة للمسلمين عادت للشورى مكانتها، فعمل على كفالة هذا الواجب.