الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد الأمويين، وتبين لنا أنهم لم يقتصروا على الموارد المالية التي كانت موجودة أيام عمر بن الخطاب من: زكاة، وجزية، وخراج، بل زادوا موارد مالية أخرى، ذكرنا منها: الهدايا التي فرضوها على أهل الولايات، والتي كانوا يدفعونها قديمًا في أعيادهم لملوكهم قبل فتح الإسلام لبلادهم، ومن هذه الموارد الجديدة أيضًا: استصلاح الأراضي المعطلة عن الزراعة.
ونواصل الحديث في هذه المحاضرة الجديدة عن هذه الموارد الجديدة، فنقول: واهتم ولاة الأمويين في العراق أيضًا بتنظيم أداتهم المالية؛ لتحقيق أكبر قدر من الموارد، فاستخدم عبيد الله بن زياد الدهاقين -ويقصد بهم رؤساء القرى- لخبرتهم
[ ١٢٧ ]
بالشئون المالية عن العمال العرب، وبرّر سياسته قائلًا: "إذا استعملت العربي كسر الخراج -يعني: قل الخراج- فإن أغرمت عشيرته، أو طالبته، أوغرت صدورهم، وإن تركته تركت مال الله، وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون بالمطالبة منه".
فهذا نوع أنشأه الأمويون بقصد زيادة الحصيلة من الجزية والخراج؛ إذ استعملوا غير المسلمين، وهم رؤساء القرى لهذه البلاد في الجباية بدل العمال العرب والمسلمين، وبرر ذلك -كما بينا- عبيد الله بن زياد فيقول بأنه عندما يتولى العربي جباية الخراج والجزية فإنه يقل الخراج، ولا نستطيع أن نحاسبه على ذلك، لكن إن أسندنا هذه الوظيفة إلى غير المسلمين مثل: الدهاقين -وهم رؤساء القرى- فهم أقدر على تحصيل الجزية، وعلى تحصيل الخراج؛ لأنهم أعرف بذلك من العرب؛ ولذلك فضلوا هؤلاء على العرب.
وحدث على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان تعديل في نظام الضرائب في شمال العراق بأرض الجزيرة؛ ضمانًا لزيادة الموارد؛ إذ بعث الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري إلى أهل الجزيرة، وقام بإحصاء عددهم، ثم حسب ما يكسبه العامل في سنته كلها، ثم طرح نفقته في طعامه وكسوته، فوجد أن الذي يحصل بعد ذلك في السنة كلها لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعًا، وجعلهم طبقة واحدة، هذا نوع أيضًا من أنواع الموارد المالية الجديدة التي أنشأها وابتدعها الأمويون في زمن خلافتهم، وهذا يكمن في الإحصاء للناس، ثم فرض ضرائب عليهم وهي ما تعرف: بـ ضريبة الرءوس.
ولجأ الأمويون إلى سياسة إحصاء السكان في العرق كلما تطلب الأمر تعديلًا في الموارد، وكان آخر الأعمال الأموية في تلك السبيل، ما قام به عمر بن هبيرة في خلافة يزيد الثاني سنة مائة وخمسة هجريًّا، إذ قام بمسح السواد -أي: سواد العراق- وحدد الجهات التي تؤخذ منها الضرائب، وهو المسح الذي صار قاعدة
[ ١٢٨ ]
النظام المالي في تلك الولاية، حتى بعد انتهاء العصر الأموي، وقيام العباسيين في الخلافة.
ففي الشام اتبع الأمويون نفس القواعد العامة التي صاروا عليها في العراق، من حيث إجراء تعداد للسكان، كلما اقتضى الأمر تعديلًا في الموارد المالية، وظلت في نفس الوقت القواعد الأساسية للنظام المالي للخليفة عمر بن الخطاب سارية في بلاد الشام؛ حيث كانت المدن تدفع ما عليها من جزية وخراج جملة واحدة، ولكن تميزت الشام بوجود بيت المال المركزي، الذي كانت تأتي إليه الموارد الفائضة عن بيوت المال في الولايات، وكان المورد الرئيسي للخلفاء الأمويين في دمشق يأتيهم من الزيادات التي قرروها على بعض الولايات، أو من قادة الفتوح، وكذلك من الصوافي، وهي: الأراضي التي كانت ملكًا في الأصل لأكاسرة الفرس، وقياصرة الروم، أو كانت لرجل قتل في الحرب، أو رجل لحق بأهل الحرب -أي: بالعدو- فهذه الأراضي تسمى: الصوافي.
وإنما كانت تسمى بالصوافي؛ لأن الخليفة استصفاها -أي: جعلها خالصة- لبيت المال، وأحيانًا كان يطلق عليها اسم: القطائع؛ لأن الخليفة كان يوزع بعضها إقطاعات على من يشاء من المقربين له، هذا أيضًا نوع جديد من أنواع الموارد المالية التي أنشأها وابتدعها الأمويون.
واستطاع الخلفاء الأمويون بذلك أن ينهضوا بأعباء البلاط في دمشق، إذ كثرت عليهم الوفود، وما تطلبته من منح عالية، وكذلك لاسترضاء القبائل العديدة، وشراء ولائها بالمال، وترك الأمويون وراءهم كنوزًا فنية ومعمارية تشهد لهم بالثراء العريض، وحسن التنظيم المالي.
[ ١٢٩ ]
القواعد الجديدة في النظام المالي ومؤسساته:
ونتحدث الآن عن القواعد الجديدة في النظام المالي، ومؤسساته، فنبدأ بتعريب ديوان الخراج:
ونقول: اقتضى اتساع موارد الدولة، وتعدد أوجه إنفاقها ضبطًا للمؤسسات المالية، ووضع قواعد جديدة للإشراف على نشاطها، وسير العمل بها، وكان معاوية بن أبي سفيان أول من أحس تلك الحاجة، نتيجة الاستقلال المالي للولايات، إذ أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم، وسلمه كتابًا بذلك؛ ليأخذ المبلغ من والي العراق زياد بن أبي، وفتح عمرو بن الزبير الكتاب في الطريق، وجعل المائة مائتين، وعند مراجعة الخليفة لميزانية العراق ساورته الشكوك، وأنكر هذا التلاعب، وعلى الرغم من استرداد السلطات المالية لهذا المبلغ، إلا أن معاوية رأى أنه لا بد من ضبط جديد للمؤسسات المالية، وأنشأ لهذا الغرض: ديوان الخاتم.
فإذن ديوان الخاتم، ونقصد بالخاتم: الختم الذي تختم به المكاتبات التي تخرج من عند الخليفة.
فهذه الحادثة التي وقعت لمعاوية بن أبي سفيان مع عمرو بن الزبير الذي غش، والذي لعب في هذه الأوراق التي كانت بيده، وجعل المائة مائتين، وهذا التزوير الذي حدث جعل معاوية يفكر في هذا الأمر؛ ولذلك رأى أنه لا بد من ضبط جديد للمؤسسات المالية؛ خوفًا من هذا التزوير الذي حدث، فإذا كان هناك تزوير على الخليفة فمن باب أولى سوف يكون هناك تزوير على باقي المسئولين في الدولة، ولذلك أنشأ لهذا الغرض ديوانًا يسمى: ديوان الخاتم.
وصار هذا الديوان الجديد من أهم معالم القواعد المالية الجديدة زمن الأمويين، فكانت له نظم دقيقة، وعمال يقظون، فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور أُحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأُثبتت نسخته فيه، وحُزم بخيط، وختم بشمع، وختم بخاتم صاحب الديوان.
[ ١٣٠ ]
وتولى رئاسة هذا الديوان على عهد معاوية أحد القضاة العدول، وهو عبد الله بن محصن الحميري، رغبة في توفير الأمانة للمسائل المالية، واتضح على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان وابنه الوليد أن ديوان الخاتم وحده لم يعد كافيًا، وأن التنظيم المالي للدولة بات يتطلب تعريب ديوان الخراج في كل ولاية، باعتباره المؤسسة المالية الرئيسية المشرفة على الموارد، وكافة الشئون المتعلقة بها.
فكانت لغة دواوين الخراج في الولايات هي نفس اللغة التي اتبعتها قبل الفتح الإسلامي؛ إذ كانت لغة ديوان الخراج في العراق هي الفارسية، وفي الشام هي اليونانية، وفي مصر كانت اليونانية والقبطية، ولم يعد هذا الوضع يتفق مع اتساع سلطان الولاة العرب، وتعدد موارد الدولة، وصار الدافع على تعريب دواوين الخراج تمكين الولاة العرب من الإشراف إشرافًا تامًّا على شئون ولاياتهم المالية؛ إذ كان تدوين السجلات باللغات الأجنبية حافزًا شجع صغار العمال على التزوير، والتلاعب في السجلات، دون أن يُكتشف أمرهم.
وكان سليمان بن سعد الخُشني -كاتب الخليفة عبد الملك بن مروان على الرسائل- هو الذي تولى تعريب ديوان خراج الشام وذلك سنة ٨١ هجريًّة، وجاءت هذه الخطوة عملًا هامًّا في التنظيم المالي للدولة الإسلامية، حيث كان المشرف على هذا الديوان وأسراره منذ عهد معاوية هو منصور بن سرجون الرومي، ومنح الخليفة سليمان بن سعد مقابل هذا العمل الجليل خراج الأردن مكافئة له، وقدره مائة وثمانون ألف دينار.
وكان أبلغ تقدير لنجاح تعريب ديوان الخراج قول منصور بن سرجون لكتاب الدواوين القدامى من أصحاب اللغة اليونانية: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا أمناء في هذا الشأن؛ إذ أنه عندما اتجه
[ ١٣١ ]
العرب في زمن الأمويين على تعريب الدواوين، وجعلها باللغة العربية، فإن هؤلاء الأعاجم -غير المسلمين الذين كانوا يقومون بالعمل في هذه الدواوين- وجدوا الخطورة عليهم من ذلك، واتضح أمرهم، واتضح أنهم كانوا مزورين، ويأكلون أموال الدولة بالباطل، ولذلك قال واحد منهم -وهو منصور بن سرجون لكتاب الديوان القدامى من أصحاب اللغة اليونانية-: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، يعني: لم يعد لكم مكان في هذا الأمر، لم تعودوا تستطيعون الحصول على الأموال عن طريق التزوير، وغير ذلك، بعدما عربت هذه الدواوين، وتمكن الولاة العرب من الإشراف إشرافًا تامًّا على شئون ولاياتهم المالية.
وكان يشرف على ديوان الخراج بالعراق في ذلك الوقت رجل يسمى "زادان فروخ" من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي، وتصادف أن قتل هذا العامل أثناء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث بين سنتي ٨٢ و٨٣ هجريًّة، وهو الأمر الذي سهل على الحجاج تحقيق سياسة الدولة المالية الجديدة، الساعية إلى تعريب الدواوين، إذ كلف الحجاج رجلًا يسمى صالح بن عبد الرحمن ممن كان يجيد اللغة الفارسية والعربية بتعريب ديوان خراج العراق، وقد حاول "مردان شاه" ابن "زادان فروخ" الذي قتل أن يدفع رِشوة لصالح بن عبد الرحمن حتى يثنيه، ويمنعه عن عمله من تعريب الدواوين، وأبى هذا العامل العربي، وأتم عمله بنجاح باهر، وتخرج على يديه نفر من كبار موظفي المالية العرب في العراق.
هذه الواقعة تدلنا على أن هؤلاء العمال غير المسلمين كانوا متمسكين بهذه المهمة، وهذا العمل، وهو العمل بالدواوين باللغة التي يعرفونها هم، ولم يعرفها المسلمون، ولم يكونوا يريدون تعريب الدواوين؛ لأنه بتعريب الدواوين سوف يفهم العرب الأعمال بدقة، وفي ذلك خطورة عليهم؛ ولذلك وجدنا هذا الرجل الذي يسمى "مردان شاه" يحاول أن يقدم رشوة لصالح بن عبد الرحمن من أجل ألا يقوم بتعريب الدواوين، ويستمر هو مكان أبيه في هذا العمل الذي كان يُدر عليه أموالًا طائلةً عن طريق التزوير.
[ ١٣٢ ]
وتم تعريب ديوان خراج مصر على عهد الوليد بن عبد الملك، وذلك تحت إشراف أخيه والي مصر عبد الله بن عبد الملك سنة ٧٨ هجرية ٧٠٧ ميلاديًّة، إذ عزل صاحب هذا الديوان وهو "أتناش" وعين مكانه أحد رجال العرب واسمه بن يربوع الفرزي، وتبع ذلك تعريب باقي الدواوين في بلاد المغرب على يد موسى بن نصير، وكان آخرها ديوان خراج خراسان الذي تولى تعريبه سنة ١٢٤ هجريًّة إسحاق بن طليق، بتكليف من الوالي نصر بن سيار.
وصارت جميع دواوين الخراج في الدولة الإسلامية تستخدم لغة واحدة هي اللغة العربية، وهي خطوة هامة مهدت السبيل لنشر العروبة بين سائر أرجاء تلك الدولة، إذ اضطر الناس إلى تعلم اللغة العربية من أجل تسهيل التعامل مع رجال إدارتها الجدد من العرب، وضمانًا للحصول على حقوقهم، وصيانة مستحقاتهم أيضًا، وكانت هذه الظاهرة الخاصة بتعريب دواوين الخراج هي التي جعلت الذهن ينصرف عن أهميتها في النواحي المالية، إلى تتبع آثارها في ميدان الحضارة العربية الإسلامية.
وتنهض هذه الظاهرة دليلًا رائعًا في نفس الوقت على أن النظام المالي ليس نظامًا جافًّا، على نحو ما حاولت الدراسات النظرية الحديثة بتر معالمه، وإنما هو عضو فعال في بناء الدولة العربية الإسلامية، يتداعى مع سائر الأعضاء الأخرى للنظم الإسلامية، من أجل السهر على سلامة المجتمع الإسلامي وحمايته.
العملة العربية الجديدة:
واقترن بتعريب دواوين الخراج سك عملة جديدة من أجل دعم النظام المالي للدولة، وضبط المعاملات المالية بين الولايات، وتحقيق العدالة في
[ ١٣٣ ]
جباية الضرائب من أهلها، إذ كان بعض تلك الولايات مثل الشام ومصر تتعامل بالدينار من الذهب، وهو الوحدة الأساسية للنقد الذي ساد كل منهما منذ أيام تبعيتهما لدولة الروم قبل الإسلام؛ وتعاملت العراق وفارس بالدرهم من الفضة، الذي ساد نشاطهما الاقتصادي منذ أيام الساسانيين قبل الإسلام، وعرف العرب هذين النوعين من العملات منذ العصر الجاهلي، حيث كانت تَرد عليهم الدنانير من الروم، والدراهم من بلاد فارس، وكان سعر التبادل عندهم هو كل عشرة دراهم تساوي سبعة دنانير، فأقر رسول الله -ﷺ- ذلك، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فكان معاوية فأقر ذلك على حاله.
وسرعان ما تبين صعوبة الاستمرار بهذا الازدواج النقدي، نظرًا لاتساع رقعة الدولة من ناحية، وللفساد الذي دب إلى بعض هذه العملات من ناحية أخرى، إذ دأب الناس على أداء الخراج بالعملات ذات القيمة المنخفضة، والاحتفاظ بالعملات العالية القيمة، مما أضر بالخراج، وأساء إلى العدالة في جبايته، وواجهت هذه الأوضاع السيئة الخليفة عبد الملك بن مروان عند مطالبة الناس بالكسور وهي: بقايا الأموال المتخلفة، ومبادرة دافعي الضرائب إلى تسديد تلك الكسور بالعملات المنخفضة القيمة.
وشرح الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) هذه الظاهرة قائلًا: ثم فسد الناس، فصار أرباب الخراج يؤدون الطبرية -وهو: نوع من العملة- التي هي أربعة دوانق، وتمسكوا بالوافي الذي وزنه وزن المثقال، فلما ولي زياد العراق طالب بأداء الوافي، وألزمهم الكسور، وجارى فيه عمال بني أمية، إلى أن ولي عبد الملك بن مروان فنظر بين الوزنين، وقدر وزن الدراهم على نصف وخُمس المثقال، وترك المثقال على حاله، هذا هو كلام الماوردي.
[ ١٣٤ ]
وزاد في اضطراب العملة الفارسية المستخدمة في الولايات الشرقية بالعراق، وفارس، وخراسان، سوء وزن الفضة فيها، وكثرة المغشوش منها، وأشار إلى ذلك الماوردي في قوله: وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم، فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورِق -أي: الفضة غير خالصة- إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة، وأدت هذه الظاهرة بدورها إلى سوء جباية الخراج، وقلة مقاديره الحقيقية، لما ورد على ديوان الخراج من عملات زائفة، أو غير جيدة الضرب، وصار الموقف يتطلب سرعة إصدار نقد جديد يقضي على تلك المفاسد، ويزيل آثارها السيئة.
وكانت ولايات الدولة -وبخاصة في مصر والشام- تعاني متاعب من نوع آخر، نتيجة احتكار الروم -البيزنطيين- للدينار، وتحكمها في سعره، وسرعان ما انفجرت أزمة بين الدولة الأموية وإمبراطورية الروم، عجلت بالسلطات الأموية نحو وضع نقد جديد لولاياتهم، وذلك على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان نفسه، ذلك أن مصر كانت تصدر القراطيس -وهي: ورق الكتابة إذ ذاك- لامبراطورية الروم، منذ تبعيتها لها قبل الفتح الإسلامي، وجرت عادت أقباط مصر على كتابة اسم السيد المسيح، وعبارة التثليث في رءوس الطوامير -وهي قطع الورق الكبيرة.
ولكن الخليفة عبد الملك رأى أن هذه الصيغة لا تتفق ومظهر الدولة الإسلامية الجديدة؛ فأمر أن يُستبدل بهذه الصيغة عبارة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (الصمد: ١) ووصلت هذه القراطيس الجديدة إلى امبراطورية الروم، وأحدثت ضجة كبرى في البلاط، إذ غضِب الإمبراطور "جستنيان الثاني" واستكبر قيام الدولة الإسلامية بممارسة حق من حقوقها في السيادة، وكتب إلى الخليفة عبد الملك:
[ ١٣٥ ]
إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه -ويقصد بذلك الكلمة التي كتبت على هذه العملة وهي كلمة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ - فإن تركتموه، وإلا أتاكم في الدنانير من ذِكر نبيكم ما تكرهونه" كأن "جُستنيان الإمبراطور" يهدد عبد الملك بن مروان، ويقول له: إما أن تزيلوا ما كتبتموه على هذه العملة، وهو عبارة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإلا كتبنا لكم عليها أشياء عن النبي -ﷺ- تكرهونها.
وأغضب هذا الخطاب الخليفة عبد الملك بن مروان كثيرًا، وخشي اضطراب أحوال العملة بسبب تهديد إمبراطور الروم، وما قد يحدثه ذلك من أثر سيء في نفوس عامة المسلمين؛ لأن دنانير الروم كانت العملة الرسمية للتجارة في الأسواق الإسلامية الداخلية، ومع الدول الخارجية أيضًا، وظهر أثناء هذه الأزمة قوة البيت الأموي، وما ساد تفكيرهم إذ ذاك من رغبة في التخلص من هذه التبعية النقدية، وإصدار عملة جديدة خاصة بالدولة الإسلامية، إذ أشار خالد بن يزيد على الخليفة عبد الملك بالتمسك بالقراطيس الجديدة -أي: القراطيس التي كتبت عليها صيغة: لا إله إلا الله- دون أن يخشى تهديد البيزنطيين.
فقال: يا أمير المؤمنين، حرِّم دنانيرهم، فلا يتعامل بها، واضرب للناس سِككًا -يعني: سك عملة جديدة- ولا تعفي هؤلاء الكفرة مما كرهوه في الطوامير يعني: لا تزيل هذه الكلمة التي أغاظتهم، وهي كلمة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
وصادف هذا الاقتراح هوًى في نفس الخليفة، ورأى أنه يصلح خطوة أساسية لدعم النظام المالي للدولة، وخلق وحدة اقتصادية عن طريق عملة خاصة بها، وأقبل عبد الملك على سك دنانير إسلامية جديدة، عليها آيات من القرآن
[ ١٣٦ ]
الكريم، وعرفت باسم: الدنانير الدمشقية، كما أصدر أوامره للحجاج بن يوسف الثقفي في العراق بضرب دراهم إسلامية بدلًا من الدراهم الفارسية؛ وقد حدد الخليفة عيارًا ثابتًا لهذين النوعين من النقود، وذلك وفق الشرع.
ولقيت هذه العملة الإسلامية الجديدة احترام الناس في كل مكان؛ لسلامة أوزانها، وأقبلوا سريعًا على التعامل بها، دون أن يحدث خلل في النظام المالي للدولة الإسلامية، ودعم هذا التعامل النقدي الجديد أن الخليفة أصدر أوامره باعتبار دور الضرب التابعة للدولة هي الجهة المعتمدة لسك النقود؛ وتحريم أي نقد يضرب خارجها، وسَحَبَ النقود القديمة المتداولة من الأسواق.
واستفاد النظام المالي للدولة الأموية من هذا الاستقرار النقدي، حيث كفلت النقود الجديدة العدالة لكل من الرعية، والخراج الخاص بالدولة، وأجمع المؤرخون على أن الوزن الذي صُكت عليه تلك النقود كان هو الوزن الشرعي الذي ساد عهد الرسول الكريم -ﷺ- من العملات السليمة إذ ذاك، وهي: الدرهم الفارسي، ودينار الروم.
وروى ابن خلدون في وصف المعاصرين لهذه الجملة الجديدة قائلًا: وقد طلعت عملة عبد الملك مطابقة لهذه الأوزان، واستقر الإجماع أيضًا على أنها هي النقود الشرعية، وأطبق الكل على العمل بها، ووافق الفقهاء عليها، وعلى أنها هي التي تؤخذ بها الزكاة، وتؤدَّى بها كل الحقوق التي أوجبها الشرع، أو ندبها، وصار العمل بهذه الأوزان في العصور الإسلامية.