الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
بدأنا الحديث في القاعدة الرابعة وهي مسئولية الحكام، وذكرنا دليل هذه المسئولية من الكتاب، ثم دليلها من السنة، ثم دليلها من السوابق التاريخية في عهد أبي بكر وعمر -﵄- ونواصل الحديث فنذكر التطبيق في عهد عثمان بن عفان -﵁ وأرضاه- فنقول:
أما في عهد عثمان بن عفان فإنه -﵁- وإن كان مسلكه الشخصي، وصدقه، وأمانته، وورعه، وتضحياته من أجل رفعة الإسلام والمسلمين، لا شك فيها، إلا أنه -﵁- قتل شهيدًا لكون جمهور الثائرين يرون مسئوليته عن تسلّط بني أمية على رقاب المسلمين؛ ولأنه توانى في حقهم، واستعمل أقرباءه على الولايات المختلفة إلى غير ذلك من المآخذ التي أخذها السائرون عليه، والتي كانت سببًا لاستشهاده، وهذه الأسباب وإن كانت لا تطعن في ورع عثمان -﵁- وتقواه وأمانته،
[ ٤٠٣ ]
وليس من شأنها أن تقلل من الدور العظيم الذي أدّاه عثمان، إلا أنها بلا شك تؤدّي إلى نتيجة هامة، مؤداها أن الخليفة مسئول عن تصرفات ولاته، وعماله، وممثليه في الولايات المختلفة، إلى جانب أنه -﵁- لم ينكر حق المسلمين في مساءلته؛ فيروى عنه -﵁- قوله: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوها".
وعليّ -﵁- كان يرى مسئولية الخليفة عن كل ما يترتب على إعمال السلطة العامة، يروي ابن حزم عن الحسن -﵁- أن عمر أرسل إلى امرأة معينة كان يدخل عليها -أي كان يدخل عليها بعض الناس- فأنكرت ذلك، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها! مالها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق فزعت، فضمها الطلق دارًا، فدخلت فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحةً فمات. أي أنها فزعت لما علمت أنها سوف تذهب وتمثل أمام عمر بن الخطاب، وهذا الفزع كان سببًا في أن طلق الولادة جاءها في غير موعده؛ وترتب على ذلك أن ولدت الولد ومات هذا الولد، فاستشار عمر أصحاب النبي -ﷺ- استشارهم كما هي عادته -رضوان الله ﵎ عليه- أي استشارهم عن موقفه من هذا الصبي الذي مات بسبب الفزع الذي كانت فيه المرأة، فأشاروا عليه بعضهم أن ليس عليك شيءٌ، يعني بعضهم قال: ليس عليك شيء يا أمير المؤمنين بسبب ذلك، إنما أنت والٍ ومؤدّب. قال: وصمت علي -أي علي بن أبي طالب- فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول؟ أي ما هو الرأي عندك يا عليّ بالنسبة لهذه الواقعة؟ وهل أنا مسئول عن موت هذا الصبي أم لا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانوا قالوا برأيهم -يعني هؤلاء الذين أشاروا إليك بأنك ليس عليك شيء- فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أن دِيّته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها وولدها في سبيلك، فأمر
[ ٤٠٤ ]
عليًّا أن يقسم عقلَه على قريش -يعني الدية أي دية هذا الولد على قريش- وهم العاقلة عن عمر بن الخطاب -﵁ وأرضاه.
وبصرف النظر عن رأينا في مسئولية الخليفة عن هذه الواقعة، فهي تكشف بطريقة قاطعة عن أن عليًّا -﵁- كان يرى أن الخليفة مسئول عن كل ما يتعلق بممارسة السلطة العامة.
ومن استعراض النصوص في القرآن، والسنة، والتطبيق العملي في عهد الخلفاء الراشدين؛ نتبيّن أن الخليفة مسئول:
أولًا: باعتباره من آحاد المسلمين، ومسئوليته في هذا الصدد كمسئوليتهم تمامًا سواء بسواء.
وثانيًا: مسئول عن ممارسته الشخصية لمقتضيات السلطة العامة.
وثالثًا: هو مسئول باعتباره هو المهيمن على السلطة التنفيذية والحائز عليها، وكل الولايات الأخرى تتفرع من ولايته العامة، فإن هذا يقتضي أن يكون مسئولًا عن كل أعمال ولاته ووزرائه وممثليه، في جميع الأصقاع والبلاد الإسلامية.
فسلطة الخليفة وغيره من الحكام محددة تحديدًا دقيقًا في الفقه الإسلامي، وإذا ما أقدم أيّ شخص ممن يقبضون على زمام السلطة العامة على مخالفة القانون الإسلامي، أو أساء استخدام السلطة، أو انحرف بها عن المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي؛ فإنه يكون مسئولًا عمّا أقدم عليه أمام الله من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام القانون وأمام الرأي العام الإسلامي، ومن هنا فإن قواعد المسئولية تنطبق على الخليفة، وسائر الحكام مثلهم في ذلك مثل سائر المسلمين،
[ ٤٠٥ ]
ذلك أن الولاية أمانة في الإسلام، وكل مؤتمن مسئول عما ائتمن عليه؛ لذلك فالخليفة مسئول عما اؤتمن عليه من حقوق الأمة، إلا أن مسئولية الخليفة أوسع نطاقًا وأوسع مدى من مسئولية الأفراد جميعًا؛ لأنها ثقيلة، بقدر ثقل الواجبات الملقاة على عاتقه وتنوعها، فإنها أيضًا تشمل مسئوليته عن كفالة كل ما هو أساسي وحيويّ بالنسبة لكل المسلمين؛ ولهذا فإن النصوص أكدت بأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر؛ ولهذا نجد أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يضاعف مسئولية أهله عن مخالفة ما يسنّ للمسلمين من الأوامر.
وفي هذا الصدد يروي ابن سعد عن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: لا أعلمنّ أحدًا وقع في شيء مما نهيت إلا أضعفت له العقوبة. ولم يكن ذلك إلا لأن عمر كان يعتبر الخليفة هو القدوة الحسنة لكل المسلمين، وإذا لم يكن الخليفة وأهل بيته هم أول من يحترم القانون وينصاع إليه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى استهانة كل المسلمين بقواعد القانون، وذلك يتفق مع قوله -﵁-: "إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم" قوله: "الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا" أي أنه إذا أطاع الله -﵎- أطاعته الرعية، وإذا عصى الله -﵎- عصته الرعية، فعلى قدر صلاح الإمام، واحترامه لنصوص القانون وخضوعه له، تكون الرعية؛ لذلك فإن الشريعة الإسلامية تشددت في تقرير مسئولية الحكام؛ لأنه في حالة عدم احترام القانون، والإقدام على مخالفته من قبل الحاكم؛ فإن هذا يؤدي إلى خلل جميع الأجهزة في الدولة، وإلى أن يستشري الفساد في البلاد، وإلى عدم امتثال الرعية لحكم القانون.
[ ٤٠٦ ]