الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نواصل الحديث عن الأدلة التي تدل على أن الشريعة راعت ظروف هؤلاء المكلفين بالجزية وأعفت غير القادرين منها، فنقول:
من الأدلة على ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب -﵁ وأرضاه- أسقط الجزية عن المسكين الذي يتصدق عليه، فقد روي أن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- مر بباب قوم
[ ٢٧٠ ]
وعليه سائل يسأل شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فقال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل -يعني: أعطاه شيئا- ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، أي: عند الكبر، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠) والفقراء هم: المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن أمثاله، يرجع في ذلك إلى (الخراج) لأبي يوسف.
ومن الأدلة أيضًا أنه قد جاء في كتاب صلح الحيرة أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غينًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته يعني: لن تؤخذ منه الجزية، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام في دار الإسلام أي: أنه إذا أصابته آفة الفقر لا تؤخذ منه الجزية، وأيضًا يعطى من بيت مال المسلمين ما يكفيه هو وأولاده.
أيضًا أنه قد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله عدي بن أرطأة كتاب جاء فيه: ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنة وولت عنه المكاسب، فأجري عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، انظر إلى من كان عندك أصبح كبيرًا من أهل الذمة ولم يستطع أن يتكسب الأموال فأعطه من بيت مال المسلمين، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، يرجع في ذلك إلى (أحكام أهل الذمة) لابن قيم الجوزية، القسم الأول: صـ٣٧ وما بعدها الطبعة الأولى المحققة ١٩٦١.
وأيضًا ما روي أن عثمان بن حنيف قد قسّم الممولين إلى طبقات حسب المقدرة المالية لكل منهم، وأخضع كل طبقة لمقدار معين على النحو التالي:
[ ٢٧١ ]
الفئات غير القادرة ولا دخل لها معفاة من الجزية.
العامل بيده مثل الخياط عليه اثني عشر درهمًا سنويًّا.
المتوسط من أهل التجارة والصناعة عليه أربعة وعشرين درهمًا.
الموسرون من أهل التجارة والصناعة على كل واحد ثمانية وأربعين درهمًا سنويًّا.
ومن ذلك نرى أن الطبقات غير القادرة أي: الفقراء معفون من الجزية؛ لأنهم عاجزون عن دفعها، ولا واجب مع عجز، وإعفاء غير القادرين من أداء الجزية من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب في الزكاة، كما سبق توضيح ذلك وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل الأعباء المالية المقررة في الدولة؛ وذلك لأن التكليف إنما يكون بما في الوسع والطاقة، والفقير لا طاقة مالية له، فإعفاؤه من أداء الجزية لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية.
ومن الأمور التي تراعى بالنسبة لظروف الممول، إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة من الجزية، إن ضمان حد الكفاية والذي سبق ذكره حين الكلام عن المساواة في الزكاة يجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي أيًّا كانت ديانته وأيًّا كان جنسه، وهذا قد تعرض له بالتفصيل دكتور/ محمد شوقي الفنجري في كتابه (الإسلام والمشكلة الاقتصادية) صـ٦٧ وما بعدها.
وتطبيقًا لذلك نجد أن حكام المسلمين كانوا يقدرون الجزية باعتبار ما يبقى في أيدي الناس من دخلهم بعد نفقاتهم كما حدث في بلاد العراق والجزيرة، فقد حدد الفاتحون دينارًا على كل رأس، فلما تولى الحكم الخليفة عبد الحكم بن مروان
[ ٢٧٢ ]
استقل ذلك فبعث إلى عامله هناك فأحصى الناس وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها، فطرح النفقة في الطعام والكسوة من الممكن أن نعتبره من الحاجات الأصلية للمكلف، وهذا معناه أن ما يجب على المكلف بالجزية ينبغي أن يكون فيما زاد عن حوائجه الأصلية هو، ومن تلزمه نفقتهم كما هو الأمر بالنسبة للزكاة كما رأينا سابقًا، وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة في هذا الشأن؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره، وكذلك حاجة أهله وولده ومن يعولهم بمنزلة حاجة نفسه فكيف نطلب الجزية من المكلف الذي يحتاج إلى ما معه ويتعلق قلبه به لمسيس الحاجة إليه، وقد رأينا فيما سبق أن المقصود بالمساواة في هذا الصدد أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية يتفق مع مقدرته المالية على الأداء، ولا شك أن الشخص الذي يكون في حاجة ماسة إلى المال الذي معه ليست لديه مقدرة مالية على أداء الجزية، وبالتالي فإعفاؤه منها لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية في تحمل أدائها كل حسب مقدرته المالية، لكن مما تجب ملاحظته هنا أن الجزية لم تعد موجودة في العصر الحديث، يرى بعض الفقهاء أن الجزية تجب على أهل الذمة بدلًا عن عدم قيامهم بالدفاع عن الدولة الإسلامية حيث إنهم لا يصلحون للدفاع عنها بسبب كفرهم؛ لأنهم قد يميلون إلى من يحارب المسلمين لاتحادهم معهم في الدين، فالجزية تؤخذ منهم للإنفاق على الجنود الذين يدافعون عن الدولة الإسلامية، لكن إذا ظهرت صلاحية أهل الذمة للدفاع عن الوطن مع المسلمين، وذلك بإخلاصهم
[ ٢٧٣ ]
للمسلمين واستعدادهم معهم للدفاع عن الدولة الإسلامية وانضموا بالفعل إلى الجيش الإسلامي، فهنا تسقط عنهم الجزية، ولذلك نجد أنه في العصر الحاضر نجد أن معظم البلاد الإسلامية يوجد بها ذميون وهم لا يدفعون الجزية، ويمكن تعليل ذلك بأنهم ينخرطون في الجيش المدافع عن دار الإسلام، والاشتراك في هذا الواجب أي الدفاع عن الوطن الإسلامي يسقط الجزية عنهم كما ذكرنا.
وبهذا نكون قد انتهينا من التكليف بالجزية كمورد من الموارد المالية في الدولة الإسلامية.