ثم نتحدث الآن عن تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها، نقول أهل الشورى يجب أن تتوفر فيهم مجموعة من الشروط، وقد بين الفقهاء هذه الشروط وذلك حينما تكلموا عن أهل والعقد، وما يجب أن تتوفر فيهم من شروط، وأهم هذه الشروط ما يلي:
[ ٣٦٠ ]
الإسلام وهو شرط حتمي وذلك؛ لأن الدولة الإسلامية مؤسسة على وحدة العقيدة ولا يجوز أن يشارك في تسيير دفة أمورها أو في كفالة تحقيق مقاصد الشارع من الخلق من لم يؤمن بالإسلام، وهذا الشرط مجمع عليه ويعد من الشروط المتعلقة بالنظام العام في الدولة الإسلامية.
الشرط الثاني: العقل وهو شرط بدهي في كافة التكاليف الشرعية كما أنه شرط لكافة الولايات العامة أو الخاصة على السواء.
الجنس: ويرى جمهور الفقهاء أنه تشترط الذكورة في أهل الحل والعقد، ومنهم أهل الشورى، غير أننا لا نرى ذلك؛ لأن المنع قاصر على منصب الخلافة، ولا يجوز أن يكون في سائر الولايات.
العلم: بمعنى أن يتوفر في أهل الشورى درجة معينة من العلم تؤهلهم لأن يكونوا أهلا للشورى، وتوفر لديهم القدرة على التمييز الآراء المختلفة في نطاق الأمر المتشاور فيه.
الرأي والحكمة: وفضلًا عن العلم، فإنه يجب أن يتوفر في أهل الشورى الرأي والحكمة لكي يتوصل برأيه وحكمته إلى أنسب القرارات التي تحقق مقصود الشارع، ومصلحة المجتمع الإسلامي.
العدالة: وهي تعني التقوى والورع وتحقق بالاستقامة والأمانة والمحافظة على شعائر الإسلام والتمسك بأهدافه؛ لذلك ينقل القرطبي عن سفيان الثوري ضرورة توفر التقوى، والأمان في أهل الشورى، إلا أنه يلاحظ أنه ليس معنى تقرير وجوب الشورى أنه يجب إعمالها في كل مسألة من المسائل أيًّا كانت طبيعتها بحيث يتحتم أن يستشار جميع أهل الحل والعقد، وإنما الوجوب ينصرف إلى مشاورة المختصين في المسألة المعروضة، وهو ما وضحه القرطبي
[ ٣٦١ ]
حيث يذكر رأيًا مؤداه: بأن الولاة يجب عليهم مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، والمختصون بأمور الجيش والحرب في المسائل العسكرية، والمختصين بالنواحي الإدارية في المسائل المتعلقة بها.
يقول القرطبي: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجهوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، كما يقرر القرطبي، بأن صفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير، كما يجب أن يكون من أهل الفتوى والأمانة وكان الفقهاء يستعينون بمجالس تضم العلماء في الفقه والفلسفة والعلوم والتاريخ وأهل الخبرة في المجالات المختلفة.
أما إذا كانت المسألة محل الشورى تتعلق بالمسلمين جميعًا ولا تحتاج إلى نوع من الخبرة والتخصص في ناحية من النواحي فلا مناص من الرجوع إلى المسلمين جميعًا، فدائرة من يستشارون يتسع نطاقها كلما تعلق موضوع الشورى بأمر يتعلق بمصلحة أساسية من مصالح المسلمين، وهذا الرأي يجد سنده فيما سلكه عمر -﵁- حينما استشار المهاجرين والأنصار في قسمة ما أفاء الله به على المسلمين من أرض العراق والشام.
والسؤال الآن هل يشترط الإسلام في أهل الشورى؟ أجملنا فيما سبق الشروط التي يجب أن تتوفر في أهل الشورى وقلنا: إن من المسلم به أن شرط الإسلام من الشروط الضرورية التي يجب توفرها في أهل الحل والعقد، كما أنه أيضًا من الشروط الحتمية المطلوبة في كل من يمارس الولاة العامة
[ ٣٦٢ ]
في الدولة الإسلامية غير أنه قد يقتضي الأمر الاستعانة بخبرة أجنبية، فهل يعد ذلك خرقًا لقواعد القانون الإسلامي يجب هنا أن نميز بين أمرين:
الأمر الأول: في مجال التشريع، فإن شرط الإسلام من الشروط الضرورية والحتمية التي يجب توفرها في أهل الشورى لتعلق هذا الشرط بالنظام الأساسي للدولة الإسلامية، ومن ثم لا يجوز أن يشترك غير المسلمين في نطاق الشورى التي يكون الهدف من إعمالها وضع قواعد قانونية، وذلك في الأحوال التي لا يوجد فيها نص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ومن ثم يستبعد غير المسلم من نطاق الشورى في المسائل التشريعية.
الأمر الثاني: أما في مجال التنفيذ ولاسيما في نطاق المسائل الفنية البحتة، فقد يتطلب الأمر الاستعانة بغير المسلمين وهذا فيما نرى لا يتعارض مع قواعد الإسلام، طالما ظلت سلطة التقدير وموائمة القرار مع مصلحة المجتمع الإسلامي في يد السلطة العامة في الدولة الإسلامية، فاستشارة غير المسلمين، وإن كنا نرى أنها من الأمور الجائزة، إلا أنها لا تأخذ الصفة الإلزامية، بحيث يكون من المحتم العمل بها؛ لأن هذا القول يعطي لغير المسلمين حق الولاية العامة على المسلمين وهو ممنوع بنص الشارع؛ لكونه يمس النظام العام في الدولة الإسلامية، بل تكون من الأمور التقديرية التي تخضع لاعتبارات الملائمة، وما يتفق مع المصلحة العامة للأمة الإسلامية.