ونستخلص من هذه التعريفات المختلفة للسياسة الشرعية أن هذا معناه: أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة في الكتاب والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلًا لا يضر، ولا يمنع من أن نصفها من بوصف السياسة الشرعية، أما الذي يضر، ويمنع من ذلك أن تكون تلك الأحكام مخالفة مخالفة حقيقيةً لنص من النصوص التفصيلية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هذه النصوص التفصيلية التي أريد بها تشريع عام للناس في كل زمان، وفي كل مكان.
[ ١٠ ]
فمتى سلمت السياسة الشرعية، أو أحكام السياسة الشرعية من هذه المخالفة للنصوص التفصيلية، وكانت متمشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًا إسلاميًّا، وسياسة شرعية نأخذ بها، وبأحكامها، ولذلك يقول ابن عقيل الحنبلي، يقول: السياسية ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول -ﷺ- ولا نزل به وحي -كما قلنا قبل ذلك.
ومن أجل ذلك كان من المغالطة، أو الغلط ما يزعم بعض المخالفين من أنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فهذا القول فيه غلط وتغليط، وهو: لا سياسة إلا ما وافق الشرع فيه غلط وتغليط إن أريد به أنه لا يعتبر من الشريعة الإسلامية شيء من الأحكام الجزئية التي يتحقق بها مصلحة، أو تندفع بها مفسدة، إلا إذا نطق به الشرع، ودلت عليه -على اليقين- نصوص من الكتاب، أو السنة، هذا يكون مرفوضًا.
أما إذا كان معنى لا سياسة إلا ما وافق الشرع إذا كان معناها: أنه لا سياسة: أنه الموافقة للشرع أن تكون تلك الأحكام الجزئية متفقة مع روح الشريعة، ومبادئها الكلية، وأن تكون مع ذلك غير مناقضة لنصٍ من نصوصها التفصيلية، التي يراد بها التشريع العام؛ فالقول بأنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع قول صحيح ومستقيم، تؤيده الشريعة نفسها، ويشهد له عمل الصحابة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين، وهذه الأشياء موجودة، أو الكلام الذي تحدثت عنه موجود في كتاب (السياسة الشرعية والفقه الإسلامي) للشيخ عبد الرحمن تاج، الطبعة الأولى ١٣٧٣هـ - ١٩٥٣م دار التأليف مصر صـ١١.
إن خلاصة القول في هذا الشأن أن الحكم الذي تقتضيه حاجة الأمة يكون سياسة شرعية معتبرة إذا توافر فيه أمران:
[ ١١ ]
الأمر الأول: أن يكون متفقًا مع روح الشريعة، معتمدًا على قواعدها الكلية، ومبادئها الأساسية.
الأمر الثاني: ألا يناقض مناقضة حقيقية دليلًا من أدلة الشريعة التفصيلية التي نقصد بها الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذه الأدلة التفصيلية هي التي ثبتت شريعة عامة للناس في جميع الأزمان، وفي جميع الأحوال.
وعلى ذلك إذا لم يكن هناك دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماعٍ، أو قياس قد دل على خلاف حكم السياسة، أو كان هناك مخالفة، ولكن تلك المخالفة ظاهرية، وليست حقيقية، أو علم أن ما دل عليه الدليل التفصيلي لم يقصد ليكون شريعة عامة، وإنما كان لحكمة خاصة، وسبب لا وجود له في غير واقعة الحكم؛ عندئذ لا تكون مخالفة حكم السياسة مخالفة لأدلة الشرع وأحكام الإسلام.
وبالتطبيق على ما ذكرناه فإنه لا يعد مخالفةً شرعية، وإنما يعتبر من أحكام السياسة الشرعية الأمور التالية:
الأمر الأول: ما فعله سيدنا أبو بكرٍ الصديق رضوان الله -﵎- عليه من جمع القرآن في مصحفٍ واحد؛ فسيدنا أبو بكر -رضوان الله ﵎- عليه رأى أن المصلحة تكمن في أن يجمع القرآن في مصحفٍ واحد، وفعل ذلك لأن مصلحة الناس، ومصلحة المسلمين تقتضي ذلك، والمصلحة إنما تدخل في باب السياسة الشرعية.
وأيضًا الأمر الثاني: ما أنشأه عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- من الدواوين، والدواوين: تشبه الآن المكاتب الحكومية التي تدون فيها أسماء الموظفين،
[ ١٢ ]
ورواتبهم، وغير ذلك من الأمور التي تتصل بالجهاز الإداري، أنشأه سيدنا عمر بن الخطاب، ولم يكون موجودًا أيام النبي -ﷺ- ولا أيام سيدنا أبو بكرٍ الصديق -﵁ وأرضاه- ومع ذلك أنشأه؛ لأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، وهذا يعتبر حكمًا من أحكام السياسة الشرعية، وكذلك ما فرضه من وظيفة الخراج -وهي الضريبة على رقاب الأرض- هذا أيضًا فرضه سيدنا عمر بن الخطاب، ولم يكن ذلك موجودًا أيام النبي -ﷺ- ولا أيام سيدنا أبي بكر، وإنما أنشأه سيدنا عمر؛ لأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، ولم ينكر عليه أحد؛ ولذلك كان ذلك من باب السياسة الشرعية.
الأمر الثالث: كان تعدد المصاحف في صدر الإسلام أمرًا عاديًّا، إذ كان من الجائز أن يكتب كل صحابيٍ مصحفًا بالحرف الذي سمعه به من النبي -ﷺ- فلما انتفت المصلحة؛ بسبب الاختلاف في القراءة؛ أمر سيدنا عثمان بن عفان بإبقاء مصحفٍ واحد، وحرق باقي المصاحف. لماذا فعل ذلك سيدنا عثمان بن عفان؟ فعل ذلك من أجل مصلحة المسلمين عندما وجد أن هناك بعض الخلافات سوف تنشأ بين المسلمين بسبب هذه القراءات المتعددة؛ ولذلك أراد أن يقضي على هذه الفتنة في مهدها؛ ولذلك أبقى مصحفًا واحدا، وحرق ما عداه.
الذي جعله يفعل ذلك إنما هو نوع من السياسة الشرعية -أي: من أجل المحافظة على مصلحة المسلمين.
الأمر الآخر: الذي يعتبر نوعًا من السياسة الشرعية -ولا يعد مخالفة لنصوص الكتاب والسنة- ما فعله عمر بن الخطاب -﵁- من حرمان المؤلفة قلوبهم من سهم الصدقات -وإن كان هذا السهم قد قرر لهم في القرآن الكريم صراحة بقول الله -تبارك تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: الآية: ٦٠).
نقول: على الرغم من وجود هذا النص الصريح بأنه هناك سهم للمؤلفة قلوبهم؛ فإن سيدنا عمر بن الخطاب لم يأخذ بظاهر اللفظ، ولم يقف عند حرفية النص، بل
[ ١٣ ]
راعى سر النص، وحكم روح النص، وقرر أن الآية التي فرضت نصيبًا لهؤلاء المؤلفة لم تفعل ذلك؛ ليتخذ شريعة عامة يعمل بها في كل حالٍ، وزمان، بل إنما كان لحكمة خاصة، وسبب لم يعد قائمًا بعد، وأرشد إلى هذا بقوله: إن الله قد أعز الإسلام وأغنى عنهم - يعني: أغنى الإسلام عن هؤلاء المؤلفة قلوبهم- فعمر -﵁- رأى أن سهم المؤلفة قلوبهم قد أوجبه الله تعالى لحاجة المسلمين إلى من يعضدهم، وينصرهم، أو لا يؤلب عليهم القبائل؛ فإذا صار المسلمون في قوة، وعزة، وزال المعنى الذي من أجله وجب ذلك السهم؛ كان للإمام أن يصرفه عن أولئك المؤلفة إلى ما هو أجدى على المسلمين وأنفع.
وهذا الكلام موجود في كتاب الشيخ عبد الرحمن تاج في السياسية الشرعية، وليس معنى هذا إبطال سهم المؤلفة رأسًا، بل إن أمره يدور مع ذلك السبب وجودًا وعدمًا. بمعنى: أن سهم المؤلفة قلوبهم لم يرفع على الإطلاق، ولكن ذلك يتوقف على السبب الذي شرع من أجله؛ لقد شرع من أجل أنه كان بالمسلمين ضعف، وكانوا في حاجة إلى من يتألفونهم؛ حتى يقفوا بجانبهم، ولا يؤلبون القبائل عليهم.
لكن إذا أصبح هذا السبب غير موجودٍ، عندما أصبح بالمسلمين قوة؛ ففي هذه الحالة لم يعد السبب موجودا، وبالتالي فلا ينطبق الحكم فالحكم يدور مع علته، وجودًا وعدمًا، حتى إذا تجددت للمسلمين حاجة إلى التأليف -كما كانت الحاجة إلى ذلك أول الأمر- صح للإمام أن يصرف للمؤلفة على حسب ما يرى من المصلحة العامة.
جاء في (أحكام القرآن) لابن العربي في تفسير آية الصدقات يقول: اختلف في بقاء المؤلفة قلوبهم، فمنهم من قال: هم زائلون -يعني: لم يعد يأخذون من
[ ١٤ ]
الصدقات، وليس لهم سهم- قاله جماعة، وأخذ به مالك -﵁- ومنهم من قال: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام، وقد قطعهم عمر لما رأي إعزاز الدين، والذي عندي -وهذا الكلام لابن العربي- يقول: والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا - يعني: لا يعطون سهمًا من الزكاة- وإن احتيج إليهم أعطوا سهم المؤلفة قلوبهم، كما كان يفعله النبي -ﷺ.
وهذا الكلام منقول من ابن العربي (أحكام القرآن) لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الطبعة الأولى دار الكتب العلمية بيروت الجزء الثاني صـ٥٣٠.
بل قال البعض: إن إعطاء المؤلفة قلوبهم له موضعه الآن؛ فإن بعض الناس يدخل الإسلام؛ فينقطع عن أهله، وعن قومه، وقد يكون ذا عملٍ؛ فيفصل من عمله؛ فمن حق هؤلاء أن يصرف لهم من الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم؛ تثبيتًا لإيمانهم، ومنعًا لهم من أن يفتنوا في دينهم تلك الفتنة المادية، وهذا الرأي قاله الدكتور عبد الخالق النواوي في كتابه (النظام المالي في الإسلام) الطبعة الأولى ١٩٧١م مكتبة الأنجلو المصرية صـ١٨٠.
أيضًا من الأمور التي لا تعارض فيها بين النصوص الشرعية -وأخذ فيها بأحكام السياسة الشرعية- أقول: ليس من المخالفة لنصوص الشريعة ما فعله سيدنا عثمان بن عفان -﵁- ما فعله بضالة الإبل إذ أمر بتعريفها؛ فإن أدركها صاحبها أخذها، وإن لم يدركها؛ بيعت، وحفظ ثمنها. فهو -﵁- لم يسر على ما كان عليه العمل من قبل أيام النبي -ﷺ- وأيام أبي بكرٍ، وأيام عثمان، كانت الإبل الضالة تترك مرسلة لا يمسها أحد؛ حتى يعثر عليها صاحبها، وسيدنا عثمان لم يقف عند حرفية النص الذي روي عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فسأله عن اللقطة فقال -ﷺ- «اعرف عفاصهًا ووكاءها ثم عرفها سنة؛ فإن جاء صاحبها؛ وإلا فشأنك بها» قال
[ ١٥ ]
الرجل: فضالة الغنم يا رسول الله قال -ﷺ-: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» يعني: إن لم تأخذها أنت؛ كاد أن يأخذها الذئب، معنى ذلك: أن النبي -ﷺ- أمره بأن يأخذها ويعرفها سنة، قال الرجل: فضالة الإبل يا رسول الله، قال -ﷺ-: «ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ حتى يلقاها ربها».
ففي ضالة الإبل بين النبي -ﷺ- لهذا الرجل أن الإبل لا تؤخذ، ولا تلتقط، بل ينبغي أن تترك في مكانها؛ حتى يأتي إليها صاحبها؛ لأنه لا خوف على الإبل؛ معها الماء، وأيضا الغذاء؛ ولذلك لا نخاف عليها، ومنعه النبي -ﷺ- من التقاط الإبل -كما قلنا- سار الأمر على ذلك في عهد النبي -ﷺ- وفي عهد أبي بكرٍ، وفي عهد عمر -رضوان الله على الجميع- لكن سيدنا عثمان بن عفان لم يقف على حرفية هذا النص، بل خالفه مخالفة ظاهرية؛ لأنه رأي أن الحال قد تبدل، وأن الحديث ورد في عهدٍ ما كان يخشى فيه على ضالة الإبل أن تضيع، وتمتد إليه الأيدي؛ فلما رأى هذه الأيدي قد امتدت إليها؛ نظرًا لضعف الوازع الديني عند الناس؛ أمر -﵁- بجمعها والتقاطها، وبيعها؛ ليحفظ ثمنها لأصحابها، أو ينتفع بهذا الثمن في المصالح العامة للمسلمين -إن لم يظهر لها صاحب.
فعثمان -﵁- إذا كان قد خالف في الظاهر هذا الحديث؛ فهو في الواقع، وباطن الأمر عامل بهذا الحديث، ومتمسك بروحه من حيث إن ذلك العارض الذي خاف معه على الإبل الضالة قد اختلف به الأمر، ولم تعد الحالة الثانية من جنس الحالة التي ورد فيها الحديث - بمعنى: أنه كانت الإبل لا يخاف عليها في عهد النبي -ﷺ- وفي عهد سيدنا عمر؛ لأن الناس كانوا يخافون الله -﵎- وكان الوازع الديني متوفرًا. أما وقد بعد الناس عن الدين، وأصبح هناك ضعف في الوازع الديني؛ فرأى سيدنا عثمان بن عفان أن يخالف الحكم الذي كان معمولًا به، والذي، ورد به الحديث، وهذه المخالفة لا تتصادم مع المبادئ العامة في الشريعة
[ ١٦ ]
التي جاءت من أجل المحافظة على أموال الناس إذ إن حفظ المال إنما هو من الضروريات الخمس التي جاءت الشرائع جميعها من أجل المحافظة عليها وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ العرض.
فسيدنا عثمان بن عفان عندما خرج على أحكام هذا النص، أو على هذا الحكم الذي ورد في الحديث، إنما راعى ذلك مصلحة المسلمين، وهذا ما تقضي به السياسة الشرعية.
والخلاصة: أنه لا يصح في تصرفٍ من التصرفات، أو حكمٍ من الأحكام التي تسن لتحقيق مصلحةٍ عامة أنه يقال: أنه مناقض للشريعة؛ بناءً على ما يُرى فيه من مخالفة ظاهرية لدليلٍ من الأدلة، بل يجب تفهم هذه الأدلة، وتعرف روحها، والكشف عن مقاصدها، وأسرار التشريع فيها، والتفرقة بين ما ورد على سببٍ خاص، وما هو من التشريع العام الذي لا يختلف، ولا يتبدل؛ فإن مخالفة النوع الثاني هي الضارة المانعة من دخول أحكام السياسة في محيط شريعة الإسلام.
وهكذا تبين لنا من فعل سيدنا عمر، وفعل سيدنا عثمان أنهم خرجوا عن الأحكام المنصوص عليها، لكن هذا خروج ناتج عن فهمهم للنصوص، وناتج عن فهمهم لروح هذه النصوص، وسر التشريع في هذه النصوص؛ ولذلك جاء في باب السياسة الشرعية التي يقصد بها تحقيق مصلحة المسلمين في كل زمان، وفي كل مكان؛ ولذلك لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.
ومما تجب ملاحظته هنا أنه إنما وصفت هذه السياسية بالشرعية؛ لأن اجتهاد الحاكم فيما جد من وقائع، وأحداثٍ، وما يدخل في مجال علم السياسة الشرعية لم يبنى على الهوى والتشهي، وإنما على مبادئ وقواعد معتبرة شرعًا، وهذه الأشياء ينظر إليها في (السياسة الشرعية للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي صـ٣٦، والشيخ عبد الرحمن تاج صـ١٨، وما بعدها).
[ ١٧ ]
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن: إن السياسة الشرعية هي السياسة القائمة على سياسة الشرع، وأحكامه، وتوجيهاته، فليس كل سياسة نحكم عليها بأنها شرعية، فكثيرٌ من السياسات تعادي الشرع، وتمضي في طريقها وفقًا لتصورات أصحابها وأهوائهم، وهذا و(السياسة الشرعية للدكتور يوسف القرضاوي صـ٢٧) فيه مزيد من التفصيل.