والواقع أن حصر ما ورد في القرآن الكريم بشأن العدالة، وضرورة الوصول إليها في أي نظام تشريعي، إنما هو من الأمور الصعبة، إذ لا أكون مبالغا إن قلت: إن كافة الآيات الكريمة التي رسمت أسلوب الحياة للناس، ووضعت مناهج للسعي في الأرض ترتبط بالعدالة، وتجعلها مقصدًا رئيسيًّا لها؛ لذلك نكتفي بذكر أمثلة من هذه الآيات، وردت بالنسبة لبعض صور المعاملات.
فنتحدث عن العدالة الاجتماعية، فنقول: يعتبر تقسيم العدالة إلى عدالة التوزيع، وإلى عدالة التعويض أو التبادل، هذا التقسيم هو أهم التقسيمات المقررة للعدالة، عندنا عدالة التوزيع، وعندنا عدالة التعويض أو التبادل، وتنجلي الصورة الأولى في توزيع الجاه والمال، وكل ما
[ ٣٩٢ ]
يمكن قسمته بين هؤلاء الذين يعترف بهم الدستور، فيجب أن يقوم نوع من التوزيع النسبي للمزايا الاجتماعية، وللأعباء كذلك على كافة المواطنين بحسب قدرتهم، وإمكانياتهم، ودرجة مساهمتهم في تحمل أعباء المجتمع.
ونجد القرآن الكريم يعبر عن هذه الصورة من صور العدالة في العديد من الآيات الكريمة من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وعلى أساس هذه الآية قام عمر بن الخطاب -﵁- بمنع توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين.
وتفصيل ذلك أنه عندما توسعت الدولة الإسلامية، وانضم إليها العديد من الأقاليم الجديدة بالفتح اختلف عمر -﵁- مع الصحابة في طريقة التصرف في الأرض أي: الأرض التي غنمها المسلمون، وبينما مال الغالبية إلى قسمتها بين الفاتحين وفقا لآية الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: من الآية: ٤١) فآية الغنائم إنما تعني: أن يكون الخمس لله وللرسول، والأربعة أخماس للغانمين هذه هي آية الغنائم، نقول: مال الغالبية إلى قسمة هذه الأراضي بين الفاتحين وفقا لآية الغنائم التي ذكرناها لكنه اعتمد هو أي: عمر بن الخطاب، وهو الذي كان يرى ألا توزع الأرض على الفاتحين أو المقاتلين، وإنما تبقى في يد أصحابه ويدفعوا عنها الخراج؛ ليكون موردا ماليا للدولة الإسلامية تستطيع أن تنفق منه على المصروفات العامة في الدولة الإسلامية.
نقول: اعتمد هو على الآيات الكريمة التي ذكرناها، ورفض التقسيم ووضع قاعدة مؤداها ترك الأرض لأهلها، وفرض خراج عليها حتى يمكن الاستفادة منه في الصرف على المرافق العامة للمسلمين كافة،
[ ٣٩٣ ]
فقد فهم -﵁- هذا النص على أنه يعني: ترجيح مصلحة الأمة الإسلامية التي تقتضي بعدم استئثار فئة من الناس بتملك الأراضي؛ لأن ذلك مخالف للعدالة، وللنص القرآني: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ وللنص القرآني الذي أكمل الآية التي ذكرها عندما عدد فئات من يستحقون، وذكر في آخرهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وأخذ عمر بن الخطاب يدافع عن وجهة نظره، وهو أن تبقى الأرض بيد أصحابها، ويفرض عليها الخراج كما قلنا، أخذ يدافع عن وجه نظره بقوله: "أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها ثغور يعني: الأماكن التي يكون فيها الجنود يدافعون عن الدولة الإسلامية، أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها أرأيتم هذه المدن العظام كالشام ومصر والكوفة لا بد لها أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إن قسمت الأرضين؟ يعني إن قسمت بين الغانمين، وهكذا أعمل عمر بن الخطاب قاعدة العدالة التوزيعية، أو ما يطلق عليها حديثا العدالة الاجتماعية، فقد رأى ضرورة حصول جماعة المسلمين على موارد تنفق على المحتاج منهم، وعلى رعاية المصالح العامة، وإدارة المرافق في الدولة الإسلامية، ورجح هذه المصلحة على مصلحة قلة من الغزاة والفاتحين وأبناءهم كان ريع هذه الأرض كلها سيذهب إليهم دون بقية المسلمين، ومن ذلك يمكن القول أننا أمام نص محكم، يحدد ضرورة استفادة كل الناس بالأموال العامة، لا الذين يوجدون منهم وقت تكوينها فحسب بل الذين يأتون من بعدهم، هل يمكن تصور نص وضعي يعنيه ذلك الآن؟
صراحة لا أظن ذلك، ونرى أيضا تطبيقا يدل على عبقرية مبكرة وقدرة على النفاذ إلى حكمة من حكم التشريع الإسلامي في وقت ما كانت فيه مدارس، ولا معاهد ولا جامعات، ولكنها جامعة الرسول -ﷺ- ومدرسة القرآن الكريم.
[ ٣٩٤ ]
وبالنسبة للصورة الأخرى من صور العدالة أي: العدالة التعويضية أو التبادلية، فهي تلعب دورًا تصحيحيًّا في العلاقات التي تتم بين الأفراد وتتطلب ألا يأخذ أحد في العقود والمعاوضات أكثر مما يستحق، وعليها تم بلورة ضرورة قيام توازن مالي واقتصادي في العقود، والصفقات ونرى هذا المقصد واضحا أيضا بشكل معجز في القرآن الكريم، والسنة الشريفة.
فالقرآن الكريم يمنع أي استغلال في التعامل، ويوجب أن تقوم العقود على أسس متوازنة، ولا شك أن حرص القرآن الكريم على سلامة التعامل والتوازن بين أطرافه لا يواتيه أي حرص لأي مشروع آخر في أي قانون، ولن ننظر طويلا في التشريعات الإسلامية في هذا الشأن، وإنما سأكتفي بما ورد بشأن الربا في القرآن يقول -﷾-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٥) ويشدد الله -﷾- النكير على من يأكلون الربا، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩).
ويصل القرآن الكريم بالناس إلى قمة المسئولية في هذا المجال، فلا يجعل المال ينتج مالا في حالة التأخر في السداد لعذر فيقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨٠، ٢٨١).
[ ٣٩٥ ]
وهذا معناه أن العدالة التي ينشدها الإسلام هي عدالة في كل المجالات، عدالة من ناحية الحكم، عدالة من ناحية الاقتصاد في كل المجالات، فحرص الإسلام على أن تكون هناك عدالة بين المتعاملين، على ذلك فالذين يتعاملون بالربا ليس هناك عدالة، فالمرابي يأكل أموال الناس بالباطل، وليس هناك عدالة فيما يأخذه، وفيما يعطيه؛ ولذلك وجدنا موقف الإسلام حازمًا من أجل توجد تلك العدالة في كل صورها سواء في الاقتصاد، أو في الحكم.