أما القاعدة الثانية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام فهي قاعدة الشورى، وتعتبر الشورى من القواعد الأساسية التي ينبني عليها النظام السياسي الإسلامي، وهي أصل من أصول الشريعة، ومن عزائم الأحكام فيها، وهي بهذا المعنى لا تقتصر على كونها من القواعد الأساسية للنظام السياسي الإسلامي فحسب، وإنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة الإسلامية، سواء كانت هذه السلطات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية.
وهي بذلك تحول دون الاستبداد بالرأي، أو الانفراد به، الأمر الذي يؤدي إلى الوصول إلى الرأي الصواب، وتحقيق وحدة الأمة وتأليف القلوب بين أفرادها.
والشورى باعتبارها ركيزة من الركائز الأساسية للنظام الدستوري الإسلامي تعطي للأمة الحق في إدارة شئونها العامة، وتمثل ضمانة من الضمانات الأساسية
[ ٣٤٥ ]
التي تحول دون مخالفة القانون، أو الانحراف في استعمال السلطة؛ لأن القرار الذي ستقدم عليه السلطات الحاكمة لن يخرج إلى حيز التنفيذ إلا بعد بحث واستقصاء وتحري المصلحة العامة ومشاورة المختصين في هذا الأمر.
وهي بهذا المعنى تعتبر من الحقوق الأساسية التي كفلها المشرع الإسلامي للمسلمين جميعًا، بحيث تمثل حجر الأساس بين الحريات السياسية التي يتمتع بها المسلمون في الدولة الإسلامية، فوق أن الشورى تكفل للأمة دورًا أساسيًا وفعالًا في إدارة شئونها العامة حسبما يقضي به الشرع الإسلامي.
وسوف نتكلم عن عدة نقاط في موضوع الشورى:
النقطة الأولى: أساس مشروعية واجب الشورى:
أساس وجوب قاعدة الشورى مستمد من مصادر المشروعية الإسلامية، فقد حث عليها القرآن الكريم، كما أن الرسول -ﷺ- حث عليها، وجعلها شرعة ومنهاجًا له في كثير من الأمور، إلى جانب أن الصحابة -رضوان الله عليهم- والخلفاء الراشدين عملوا بها واتبعوها في كثير من الأمور.
وسوف نتناول كل دليل من أدلة المشروعية الإسلامية التي حثت على الشورى، وأوجبتها على الأمة الإسلامية فيما يلي:
القرآن الكريم: يقول الله -﷿-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) ويقول -﷾-: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨)
[ ٣٤٦ ]
ويقرر بعض الفقهاء: أن وجود سورة في كتاب الله تعالى، وهي سورة الشورى تسمى باسم هذا المبدأ، وجعل الشورى من أوصاف المؤمنين، ثم الأمر بها صراحة في سورة أخرى إنما هو دليل على اهتمام الشارع بالشورى وجعلها من الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام وما يتعلق بتدبير الشئون الإسلامية.
كما يذهب هذا الرأي إلى أن دلالة الآية الأولى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أقوى في دلالتها على الشورى والدعوة لاستخدامها من الآية الثانية وهي التي تقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ لأن الآية الأولى أمر للرسول -ﷺ- في حين أن الثانية لا تفيد سوى أن الشورى تعتبر من أوصاف المؤمنين الحميدة.
ويقرر الشيخ رشيد رضا أن الإمام محمد عبده يرى: أن في سورة آل عمران آية أخرى أقوى في دلالتها على وجوب الشورى وقيام الحكم عليها من آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ من السورة نفسها، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
وترجع قوة دلالة هذه الآية كما يذهب الإمام محمد عبده من دلالة الآية الواردة في سورة الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ لأن دلالة الآية الأخيرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ إنما تعني: أن الشورى وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر مما يدل عيه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه، ومحمود عند الله -﵎- كما أن دلالتها أقوى من دلالة قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ لأن دلالة الأخيرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ إنما تعني: وجوب المشاورة على الرئيس، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله لهذا الوجوب، فبماذا يكون إذا تركه ولم يمتثل إلى ما أمر به الشارع؟ في حين أن هذه الآية، وهي
[ ٣٤٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ نقول: في حين أن هذه الآية تفرض أن يكون في الناس جماعة مجدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا الفرض عام ملزم للحكام والمحكومين على وجه اليقين.
السنة النبوية وموقفها من الشورى:
حتى يتسنى لنا الوقوف على مسلك النبي -ﷺ- بخصوص تطبيق هذه القاعدة أي قاعدة الشورى، ومدى التزامه بالأمر الوارد في الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ فإن الأمر يقتضي أن نحدد مدى التزام الرسول -ﷺ- في مشاورة أصحابه فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.
وإذا كان الرسول -ﷺ- كان من المحتم عليه أن يشاور فإن الأمر يقتضي أن نوضح نقاط أو نطاق هذا الالتزام.
وترجع أهمية بيان ذلك إلى: أنه إذا كان الرسول -ﷺ- كان من المحتم عليه أن يشاور فإن هذا الالتزام يقع من باب أولى كواجب حتمي على من بعده من الخلفاء والحكام.
ولتوضيح هذه الأمور فإن ذلك يقتضي أن نذكر بعض السوابق التي حدثت في عهد النبوة، وعلى ضوءها يمكن أن يتحد نطاق هذا الواجب ومداه، وسوف نرى: أن هذه السوابق تدل على أن الرسول -ﷺ- كان يعمل بالشورى في كل ما لم يجئ به نص في القرآن الكريم.
وسوف نوضح -أولًا- بعض السوابق في عهد النبوية، ثم نتعرض لمدى التزام الرسول -ﷺ- بالمشاورة ونطاق هذا الالتزام، وفي النهاية نوضح مدى التزام الرسول -ﷺ- بإتباع ما ينتهي إليه أهل الشورى.
[ ٣٤٨ ]
أولًا: سوابق الشورى في عهد النبوة شاور الرسول -ﷺ- الناس عندما بلغه خروج قريش ليمنعوا عيرهم، وأخبرهم عما تزمع قريش الإقدام عليه، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله!! أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٢٤) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجلدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله -ﷺ- خيرًا ودعا له به، ثم استوثق الرسول -ﷺ- من أمر الأنصار، فقال: «أشيروا علي أيها الناس» فقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
وهكذا فالنبي -ﷺ- قبل أن يقدم على هذا الأمر شاور الصحابة -رضوان الله ﵎ عليهم- ولما وجدهم قد وافقوه على ما يريد فعله وافقهم على ذلك ومضى على بركة الله -﵎-.
وفي غزوة بدر -أيضًا- نزل جيش قريش بالعدوة القصوى من الوادي وخرج رسول الله -ﷺ- يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فجاء الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال -ﷺ-: «بل هو الرأي
[ ٣٤٩ ]
والحرب والمكيدة» فقال الحباب: يا رسول الله!! فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالمنزل حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، قال رسول الله -ﷺ-: «لقد أشرت بالرأي» وفعل -ﷺ- ما أشار به الحباب.
ويضيف ابن سعد على هذه الرواية بأن الوحي نزل على رسول الله -ﷺ- فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر، ومن هذه الرواية نتبين: أن الرسول -ﷺ- تشاور وعمل برأي من شاروه.
وفي غزوة أحد شاور الرسول -ﷺ- المسلمين، وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال: «فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها» فانقسم المسلمون إلى فريقين، الأول ويحبذ الخروج إلى قريش حبًا في الشهادة؛ لأن بعضهم كان قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة كما كان يرى -ﷺ- ولما رأى الرسول -ﷺ- أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية.
وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول -ﷺ- على ذلك، قال لهم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل».
أيها الأخوة ونكتفي بهذا القدر ونكمل في المحاضرة القادمة -إن شاء الله- استودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - قواعد النظام السياسي في الإسلام (٢)