وبعد فقد تبين مما سبق أن المسلمين في فترات من الزمن مختلفة، ولظروف خاصة لقّبوا رئيس الدولة بألقاب الخليفة، وأمير المؤمنين، الإمام، ولكن هل معنى هذا أن الرئيس الأعلى في الدولة في الإسلام يجب أن يلقّب بأحد هذه الألقاب حتى يصير هذا المنصب إسلاميًّا؟
لا شك أن القائل بهذا يتعسف في الحكم على الأمور؛ إذ إنّ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين لقانون الإسلام؛ حتى يمكن أن يوصف النظام بأنه نظام إسلامي، بغضّ النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس، سواء كان لقبه خليفة رسول الله، أو أمير المؤمنين، أو إمامهم الأعظم، فالإسلام لا يعني بالألقاب، وإنما يعني بما وراء هذا اللقب من حقيقة النظام نفسه، فلو أن المسلمين في أي عصر من العصور أطلقوا على رئيسهم، أو أطلق هو على نفسه: خليفة رسول الله -ﷺ- وكان جوهر النظام الذي يمثله بعيدًا عن الالتزام بالمبادئ والقوانين الإسلامية، كان هذا النظام في حقيقته نظامًا غير إسلامي، على الرغم من لقب "خليفة رسول الله" وإذا كان العكس هو الذي حدث، فخضع المجتمع ورئيسه خضوعًا تامًّا للقوانين الإسلامية، ولم يطلق على هذا الرئيس لقب من ألقاب الخلافة، أو إمارة المؤمنين، أو الإمامة، بل أطلق عليه
[ ٤٦٧ ]
لقب آخر كرئيس الجمهورية، أو رئيس الدولة مثلًا، فإنه في هذه الحالة يكون نظام الدولة نظامًا إسلاميًّا لا يستطيع أحد أن يطعن فيه.
خلاصة القول في هذا: أن الإسلام لا ينظر إلى الأسماء، سمِّه ما شئت: خليفة، أمير المؤمنين، الإمام، المهم في الأمر أن يلتزم هذا الخليفة بأحكام الإسلام والنظام الإسلامي.
التعريف الاصطلاحي للإمامة العظمى:
بعد أن فرغنا من توضيح المعاني اللغوية والملابسات التاريخية التي أحاطت بالخلافة، وإمارة المؤمنين، والإمامة، نعرِّف الإمامةَ العظمى:
تعريف الماوردي لها: يفهم من كلام الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية) عن الإمامة العظمة أنها: خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
ويلاحظ أن هذا التعريف يشير إلى عدة أمور هامة:
الأول: أن رياسة الدولة الإسلامية هي في حقيقتها نيابة عن رسول الله -ﷺ- وهذا يشير إلى أن رئيس الدولة أو الإمام الأعظم يجب أن يكون المثل الأعلى لأفراد الأمة في الالتزام الكامل بمبادئ الإسلام.
الثاني والثالث: بيان وظيفة الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية وهي التي ناب فيها عن الرسول -ﷺ- وهي أولًا العمل على أن يظل الدين مصونًا من كل ما يسيء إليه، ويلي ذلك العمل على اتِّخاذ كافة الإجراءات التي تكفل المصالح الدنيوية لأفراد الأمة.
تبين لنا مما سبق أن الإمامة العظمى في حقيقتها رياسة الدولة الإسلامية، التي تخضع للقانون الإسلامي، وتسير على هديه في تنظيم مصالح الأمة في الدين
[ ٤٦٨ ]
والدنيا؛ إذ لا معنى لكونها نيابةً عن الرسول -ﷺ- إلا أنها ملومة بالخط الواضح الذي رسمها له -﵊- مبلِّغًا عن الله -﵎- فهي ليست حكومةً تسير وفق قانونٍ وضعيٍّ بحسب مصالحها الدنيوية فقط، غير ناظرةٍ إلى ما بعد الحياة الدنيا، وإنما هي حكومة تنوب عن الرسول -ﷺ- ولما كانت رياسة الرسول -ﷺ- لبيان حكم الله في كل أنواع السلوك الإنساني، سواء منها ما يتعلق بالدين أو يتعلق بالدنيا، فكذلك الشأن في الحكومة النائبة عنه إنّما هي ملتزمة بالحفاظ على الدِّين، والسير في سياستها الدنيوية على الهدي الواضح الذي بيّنته الشريعة الغراء؛ وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل؛ إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (المؤمنون: من الآية: ١٢٥) فالمقصود بهم إنه هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية: ٥٣).
فهذه إذن هي حقيقة الإمامة العظمى كما يبنها علماء المسلمين، فهي إذا ليست ملكيةً؛ لأن الملك يعتمد في تسيير أمور المملكة على أحكامٍ كثيرًا ما تكون جائرةً على الحق، وهدفه في الغالب أن تظلّ قبضته مسيطرةً على أنحاء مملكته، غير ناظرٍ إلى ما قد يشوب حكمه من قهر وتغلب، والإمامة العظمى ليس فيها هذا المعنى من قريبٍ أو بعيد، وإنما هي تسير بأحكامٍ من الشارع الحكيم، تبين ما يجب اتباعه في سلوك الأفراد بعضهم مع بعض، وفي علاقاتهم جميعًا بالحق -﵎- وهي كذلك ليس رياسةً اقتضتها ضرورة اجتماع الناس فقط، يخضعون في ظلها لقواعد تنظم سلوكهم، بحسب المصلحة السياسية التي تقول بالمنفعة عليهم جميعًا؛ لأن قانونًا كهذا نظر بغير نور الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ
[ ٤٦٩ ]
نُورٍ﴾ (النور: ٤٠) لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيّب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره؛ ولذلك يقول -ﷺ-: «إنما هي أعمالكم ترد عليكم» وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم: من الآية: ٧).