مفهوم السياسة الشرعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
أبنائي وبناتي طلاب الدراسات العليا بجامعة المدينة العالمية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذه محاضرات في مادة الساسة الشرعية، وسوف نبدأ بالحديث عن مفهومها، والموضوعات التي تشملها، وأدلة اعتبارها.
ونبدأ الآن في بيان مفهوم السياسة الشرعية، والتعريف بالسياسة الشرعية في اللغة: جاء في (المصباح المنير): ساس زيد الأمر يسوسه أي: دبره وقام بأمره. وجاء في (لسان العرب) لابن منظور الأفريقي: السَّوس: الرئاسة، يقال: ساسوهم سوسًا، وإذا رأسوا الشخص، قيل: سوسوه، وأساسوه. ونقول: ساس الأمر سياسة أي: قام به. ونقول: سوسه القوم أي: جعلوه يسوسهم. ويقال: سوس فلانٌ أمر بني فلانٍ أي: كلف سياستهم. والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.
ومن هذا يتضح أن كلمة السياسة تطلق في اللغة بإطلاقاتٍ كثيرة، ومعناها في جميع إطلاقاتها يدور على تدبير الشيء، والتصرف فيه بما يصلحه هذا هو تعريف السياسة الشرعية في اللغة.
أما تعريف السياسية الشرعية في اصطلاح الفقهاء، فللفقهاء فيه أقوال: قيل في تعريف السياسة الشرعية: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئ -أي: دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماع، أو قياس.
[ ٩ ]
وعرفها البعض أيضا بأنها: هي ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه النبي -ﷺ- ولا نزل به وحي، وهذا التعريف إنما هو موجود في كتاب (السياسة الشرعية مصدر للتقنين) للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي، طبعة ١٤١٠ - ١٩٨٩ دار الكتب الجامعية الحديثة بطنطا صـ٣٢.
وعرف البعض أيضًا السياسة الشرعية بأنها: هي ما يراه الإمام، أو يصدره من الأحكام، والقرارات زجرًا عن فسادٍ واقع، أو وقاية من فسادٍ متوقع، أو علاجًا لوضعٍ خاص. وهذا التعريف إنما هو للدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (السياسة الشرعية) الطبعة الأولى ١٤١٩هـ - ١٩٨٩م مكتبة وهبة بمصر صـ١٥، وما بعدها.
وأيضًا عرف البعض السياسة الشرعية بأنها: تدبير شئون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأصولها العامة، وهذا التعريف إنما هو للدكتور محمود الصاوي في كتابه (نظام الدولة في الإسلام) الطبعة الأولى ١٤١٨ - ١٩٩٨ دار الهداية بمصر صـ٣٩.