فصل وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، كَاَلَّذِي يُقَبِّلُ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ، أَوْ يُبَاشِرُ بِلَا جِمَاعٍ أَوْ يَأْكُلُ مَا لَا يَحِلُّ، كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ، أَوْ يَقْذِفُ النَّاسَ بِغَيْرِ الزِّنَا، أَوْ يَسْرِقُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، ولو شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ يَخُونُ أَمَانَتَهُ، كَوُلَاةِ أَمْوَالِ بيت المال أو الوقوف، وَمَالِ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إذَا خَانُوا فِيهَا، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو من يَغُشُّ فِي مُعَامَلَتِهِ، كَاَلَّذِينَ يَغُشُّونَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يُطَفِّفُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، أو يشهد بالزور، أَوْ يُلَقِّنُ شَهَادَةَ الزُّورِ، أَوْ يَرْتَشِي فِي حُكْمِهِ، أَوْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَوْ يَعْتَدِي عَلَى رَعِيَّتِهِ، أَوْ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ يُلَبِّي دَاعِيَ الْجَاهِلِيَّةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ: فَهَؤُلَاءِ يُعَاقَبُونَ تَعْزِيرًا وَتَنْكِيلًا وَتَأْدِيبًا، بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْوَالِي، عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي النَّاسِ وَقِلَّتِهِ. فَإِذَا كَانَ كَثِيرًا زَادَ فِي الْعُقُوبَةِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَعَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ؛ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمُدْمِنِينَ عَلَى الْفُجُورِ زِيدَ فِي عُقُوبَتِهِ؛ بِخِلَافِ الْمُقِلِّ مِنْ ذَلِكَ. وَعَلَى حَسَبِ كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ؛ فَيُعَاقَبُ مَنْ يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب مَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِمَرْأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ لِأَقَلِّ التَّعْزِيرِ حَدٌّ؛ بَلْ هُوَ بِكُلِّ مَا فِيهِ إيلَامُ الْإِنْسَانِ، مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَتَرْكِ قَوْلٍ، وَتَرْكِ فِعْلٍ، فَقَدْ يُعَزَّرُ الرَّجُلُ بِوَعْظِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَالْإِغْلَاظِ لَهُ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِهَجْرِهِ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَصْلَحَةَ، كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ " الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا "، وَقَدْ يُعَزَّرُ
[ ٩١ ]
بِعَزْلِهِ عَنْ وِلَايَتِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُعَزِّرُونَ بِذَلِكَ؛ وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَرْكِ اسْتِخْدَامِهِ فِي جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، كَالْجُنْدِيِّ الْمُقَاتِلِ إذَا فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ؛ فَإِنَّ الْفِرَارَ من الزحف من الكبائر، وقطع أجره نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ إذَا فَعَلَ ما يستعظم فعزله عن إمارته تَعْزِيرٌ لَهُ. وَكَذَلِكَ قَدْ يُعَزَّرُ بِالْحَبْسِ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَسْوِيدِ وَجْهِهِ وَإِرْكَابِهِ عَلَى دَابَّةٍ مَقْلُوبًا؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بن الخطاب -﵁- أنه أمر بمثل ذلك فِي شَاهِدِ الزُّورِ، فَإِنَّ الْكَاذِبَ سَوَّدَ الوجهَ، فسُود وجهُه، وقلَبَ الْحَدِيثَ، فقُلِب رُكُوبُهُ. وَأَمَّا أَعْلَاهُ؛ فَقَدْ قِيلَ: " لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ ". وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدُّ. ثُمَّ هُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: " لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ ": لَا يُبْلَغُ بِالْحُرِّ أَدْنَى حُدُودِ الْحُرِّ، وَهِيَ الْأَرْبَعُونَ، أَوْ الثَّمَانُونَ، وَلَا يُبْلَغُ بِالْعَبْدِ أَدْنَى حدود العبد، وهي الْعِشْرُونَ أَوْ الْأَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: بَلْ لَا يُبْلَغُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدُّ الْعَبْدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يُبْلَغُ بِكُلِّ ذَنْبٍ حَدُّ جِنْسِهِ وَإِنْ زاد على حد جِنْسٍ آخَرَ، فَلَا يُبْلَغُ بِالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ قَطْعُ الْيَدِ، وَإِنْ ضُرِبَ أَكْثَرَ مِنْ حَدِّ الْقَاذِفِ. وَلَا يُبْلَغُ بِمَنْ فَعَلَ مَا دون الزنا حد الزاني، وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّ رَجُلًا نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةَ ضربة، ثم ضربه فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةَ ضَرْبَةٍ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةَ ضَرْبَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُجِدَا فِي لِحَافٍ: " يُضْرَبَانِ مِائَةً ". «وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي جَارِيَةَ امرأته: " إن كانت أحلتها له جلد مائة وإن لم تكن أحلتها لَهُ: رُجِمَ» . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ. وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ.
[ ٩٢ ]
وَأَمَّا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، فَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ مِنْ الْجَرَائِمِ مَا يُبْلَغُ بِهِ الْقَتْلُ. وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فِي مِثْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ، إذَا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة - كابن عقيل - قتله، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالُوا: إنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ لَا لِأَجْلِ الرِّدَّةِ؛ وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جُنْدُبٍ -﵁- مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «أَنَّ حَدَّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَحَفْصَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ -﵃- قَتْلُهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَجْلِ الْكُفْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. لَكِنَّ جُمْهُورَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ قَتْلَهُ حَدًّا. وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعَزِّرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ الْجَرَائِمِ، إذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ، كَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ، أَوْ اغْتِيَالُ النُّفُوسِ لِأَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يستدل على أن المفسد متى لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ: بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَرْفَجَةَ الْأَشْجَعِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ، وَهَنَاتٌ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فاضربوه
[ ٩٣ ]
بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» . وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ في أمره بقتل شَارِبُ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، عَنْ دَيْلَمَ الْحِمْيَرِيِّ -﵁- قال: «سأل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّا بِأَرْضٍ نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شراباٌ مِنْ الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا، وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا. فَقَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؛ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ. قُلْتُ إنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ» . وَهَذَا لِأَنَّ الْمُفْسِدَ كَالصَّائِلِ، فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ الصَّائِلُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ، جَزَاءً بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، كَجَلْدِ الشَّارِبِ وَالْقَاذِفِ، وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ وَالسَّارِقِ. و(الثاني) الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ، وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ، فَإِنْ تاب؛ وإلا قتل. وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤَدُّوهَا. فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ. وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» . قَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللَّهِ مَا حَرُمَ لِحَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: مِثْلُ آخِرِ الْحَلَالِ وَأَوَّلِ الْحَرَامِ. فَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] (سورة البقرة من الآية ٢٢٩) .
[ ٩٤ ]
وَيُقَالُ فِي الثَّانِي: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] (سورة البقرة من الآية ١٨٧) . وأما تسمية العقوبة المقدرة حَدًّا، فَهُوَ عُرْفٌ حَادِثٌ. وَمُرَادُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ ضَرَبَ لِحَقِّ نَفْسِهِ، كَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ. وَالْجَلْدُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ: هُوَ الْجَلْدُ الْمُعْتَدِلُ بِالسَّوْطِ؛ فَإِنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: " ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ ". وَلَا يَكُونُ الْجَلْدُ بِالْعِصِيِّ وَلَا بِالْمَقَارِعِ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالدِّرَّةِ، بَلْ الدِّرَّةُ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْزِيرِ. أَمَّا الْحُدُودُ، فَلَا بد فيها من الجلد بالسوط، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- يؤدب بالدرة: فإذا جَاءَتْ الْحُدُودُ دَعَا بِالسَّوْطِ، وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ كلها؛ بل ينزع عنه ما يمنع كم الضَّرْبِ، مِنْ الْحَشَايَا وَالْفِرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يُرْبَطُ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» . وَلَا يَضْرِبُ مَقَاتِلَهُ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَأْدِيبُهُ لَا قَتْلُهُ، وَيُعْطَى كُلُّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ، كالظهر والأكتاف والفخذين ونحو ذلك.
[ ٩٥ ]