فصل وأما المصارف: فالواجب أن يبدأ فِي الْقِسْمَةِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ العامة: كَعَطَاءِ مَنْ يُحَصِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةً عَامَّةً. فَمِنْهُمْ الْمُقَاتِلَةُ: الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْفَيْءِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِمْ؛ حَتَّى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِ الْفَيْءِ: هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، أَوْ مُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ؟ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمَصَالِحِ وِفَاقًا، إلَّا مَا خَصَّ بِهِ نوع، كَالصَّدَقَاتِ وَالْمَغْنَمِ. وَمِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ ذَوُو الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ: كَالْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالسُّعَاةِ عَلَى الْمَالِ: جَمْعًا، وَحِفْظًا، وَقِسْمَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ حَتَّى أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ والمؤذنين ونحو ذلك. وكذا صرفه فِي الْأَثْمَانِ وَالْأُجُورِ، لِمَا يَعُمُّ نَفْعُهُ: مِنْ سَدَادِ الثُّغُورِ بِالْكُرَاعِ، وَالسِّلَاحِ، وَعِمَارَةُ مَا يُحْتَاجُ إلَى عِمَارَتِهِ مِنْ طُرُقَاتِ النَّاسِ: كَالْجُسُورِ وَالْقَنَاطِرِ، وَطُرُقَاتِ الْمِيَاهِ كَالْأَنْهَارِ. وَمِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ: ذَوُو الْحَاجَاتِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدَّمُونَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ، مِنْ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدَّمُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَالُ اُسْتُحِقَّ بالإِسلام، فَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ، كَمَا يَشْتَرِكُ الْوَرَثَةُ فِي الْمِيرَاثِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُقَدَّمُونَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ ذَوِي الْحَاجَاتِ، كَمَا قَدَّمَهُمْ فِي مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ؛ إنما
[ ٤٢ ]
هُوَ الرَّجُلُ وَسَابِقَتُهُ، وَالرَّجُلُ وَغِنَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ فَجَعَلَهُمْ عُمَرُ -﵁- أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: ذَوُو السَّوَابِقِ الَّذِينَ بِسَابِقَتِهِمْ حَصَلَ الْمَالُ. الثَّانِي: مَنْ يُغْنِي عَنْ الْمُسْلِمِينَ في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور والعلماء الذين يجتلبون لَهُمْ مَنَافِعَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. الثَّالِثُ: مَنْ يُبْلِي بلاء حسنًا في دفع الضرر عنهم، كالجاهدين فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْأَجْنَادِ وَالْعُيُونِ مِنْ القصاد والناسحين وَنَحْوِهِمْ. الرَّابِعُ: ذَوُو الْحَاجَاتِ. وَإِذَا حَصَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَبَرِّعٌ، فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ بِهِ؛ وَإِلَّا أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ، أَوْ قَدْرَ عَمَلِهِ. وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ مَنْفَعَةِ الرَّجُلِ، وَبِحَسَبِ حَاجَتِهِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ وَفِي الصَّدَقَاتِ أيضا، فما زاد على ذلك لا يستحقه الرَّجُلُ، إلَّا كَمَا يَسْتَحِقُّهُ نُظَرَاؤُهُ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي غَنِيمَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ. وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مَا لَا يَسْتَحِقَّهُ لِهَوَى نَفْسِهِ: مِنْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَوَدَّةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْطِيَهُ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْهُ، كَعَطِيَّةِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الصبيان المردان: الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا والمغني، وَالْمَسَاخِرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ إعْطَاءِ الْعَرَّافِينَ مِنْ الْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَنَحْوِهِمْ. لَكِنْ يَجُوزُ -بَلْ يَجِبُ- الْإِعْطَاءُ لِتَأْلِيفِ مِنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِ قَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ، كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ العطاء للمؤلفة
[ ٤٣ ]
قلوبهم من الصدقات، وكما كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ، وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَيِّدَ بَنِي تَمِيمٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ سَيِّدَ بَنِي فَزَارَةَ، وَزَيْدَ الْخَيْرِ الطَّائِيَّ سَيِّدَ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيَّ سَيِّدَ بَنِي كِلَابٍ، وَمِثْلَ سَادَاتِ قُرَيْشٍ مِنْ الطُّلَقَاءِ: كَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَأَبِي سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَدَدٍ كَثِيرٍ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين أربعة: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وعيينِة بْنِ حِصْنٍ الفزاري، وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيَّ، سَيِّدَ بَنِي كِلَابٍ، وزيد الخير الطائي، سيد بَنِي نَبْهَانَ. قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ، فَقَالُوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا: فقال رسول، ﷺ: " إنِّي إنَّمَا فَعَلْتُ ذلك لتأليفهم ". فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ العينين، ناتئ الجبين، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فمن يتق الله إن عصيته؟ أيأمنني على أَهْلُ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ ! " قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» . وَعَنْ رافع بن خديج -﵁- قَالَ: «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ
[ ٤٤ ]
حَابِسٍ، كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الإِبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بْنُ مِرْدَاسٍ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يفوقان مرداس فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ يُخْفَضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعُ
قَالَ: فَأَتَمَّ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً.» رواه مسلم و" العبيد " اسْمُ فَرَسٍ لَهُ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ ومسلم؛ فالكافر: إما أن يرجى بعطيته منفعة: كإسلامه؛ أر دَفْعُ مَضَرَّتِهِ، إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِذَلِكَ. وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا، كَحُسْنِ إسْلَامِهِ. أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةِ الْمَالِ ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكايةَ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ كَفِّ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، إذَا لَمْ يَنْكَفَّ إلَّا بِذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَطَاءِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، كان من جنى عطاء النبي ﷺ وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ؛ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قال فيه ما قال، وكذلك حِزْبُهُ الْخَوَارِجُ أَنْكَرُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ -﵁- مَا قَصَدَ بِهِ الْمَصْلَحَةَ مِنْ التَّحْكِيمِ، وَمَحْوِ اسْمِهِ، وَمَا تَرَكَهُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ، لِأَنَّ مَعَهُمْ دِينًا فَاسِدًا لَا يَصْلُحُ بِهِ دُنْيَا وَلَا
[ ٤٥ ]
آخِرَةٌ، وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الْوَرَعُ الْفَاسِدُ بِالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ: فَإِنَّ كِلَيْهِمَا فِيهِ تَرْكٌ؛ فَيَشْتَبِهُ تَرْكُ الْفَسَادِ؛ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ: جُبْنًا وَبُخْلًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ ظَنًّا أَوْ إظْهَارًا أَنَّهُ وَرَعٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كِبْرٌ وَإِرَادَةٌ لِلْعُلُوِّ: وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ، كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ، وَإِلَّا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّاجِدِ لِلَّهِ، وَالسَّاجِدِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَصُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ؛ ثُمَّ هَذَا أَقْرَبُ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] (سورة البلد: من الآية ١٧) . وَفِي الْأَثَرِ: أَفْضَلُ الْإِيمَانِ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ. فَلَا تتم رِعَايَةُ الْخَلْقِ وَسِيَاسَتُهُمْ إلَّا بِالْجُودِ، الَّذِي هُوَ الْعَطَاءُ؛ وَالنَّجْدَةِ، الَّتِي هِيَ الشَّجَاعَةُ؛ بَلْ لَا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان مَنْ لَا يَقُومُ بِهِمَا سَلَبَهُ الْأَمْرُ، وَنَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ - إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩] (سورة التوبة: الآيتان ٣٨، ٣٩) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] (سورة محمد: الآية ٣٨) . وقد
[ ٤٦ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] (سورة الحديد: من الآية ١٠) . فَعَلَّقَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] (سورة التوبة: من الآية ٤١) . وَبَيَّنَ أَنَّ الْبُخْلَ مِنْ الْكَبَائِرِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] (سورة آل عمران: من الآية ١٨٠) . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] (سورة التوبة: من الْآيَةَ ٣٤) . وَكَذَلِكَ الْجُبْنُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] (سورة الأنفال: الآية ١٦) . وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] (سورة التوبة: الآية ٥٦) . وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ، حَتَّى إنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمْثَالِ الْعَامِّيَّةِ: " لَا طَعْنَةَ وَلَا جَفْنَةَ " وَيَقُولُونَ: " لَا فَارِسَ الْخَيْلِ، وَلَا وَجْهَ الْعَرَبِ ". وَلَكِنْ افْتَرَقَ النَّاسُ هُنَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَرِيقٌ غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ، فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ الْمَعَادِ، وَرَأَوْا أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَقُومُ إلَّا بِعَطَاءٍ، وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى الْعَطَاءُ إلَّا بِاسْتِخْرَاجِ أَمْوَالٍ مِنْ غَيْرِ حلها؛ فصاروا فهابين وَهَّابِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّى على الناس إلا من يأكل وطعم، فإنه إذا تولى العفيف الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَطْعَمُ سَخِطَ عَلَيْهِ الرؤساء
[ ٤٧ ]
وَعَزَلُوهُ؛ إنْ لَمْ يَضُرُّوهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا فِي، عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ، وَأَهْمَلُوا الْآجِلَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، فَعَاقِبَتُهُمْ عَاقِبَةٌ رَدِيئَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَا يُصْلِحُ عَاقِبَتَهُمْ مِنْ تَوْبَةٍ وَنَحْوِهَا. وَفَرِيقٌ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ، وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عَنْهَا مُطْلَقًا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ، أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ الدِّينِ، فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، يَكُونُ تَرْكُهُ أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ، يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ. وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقِتَالِ، فَيُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ، وَهَؤُلَاءِ لَا تَصْلُحُ بِهِمْ الدُّنْيَا وَلَا الدِّينُ الْكَامِلُ؛ لَكِنْ قَدْ يَصْلُحُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّينِ وَبَعْضُ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُمْ فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، وَيُغْفَرُ لَهُمْ قُصُورُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار وَالْفُجَّارِ؛ لَا بِمَالٍ وَلَا بِنَفْعٍ، وَيَرَى أَنَّ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نَوْعِ الْجَوْرِ وَالْعَطَاءِ الْمُحَرَّمِ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ: الْأَمَةُ الْوَسَطُ، وَهُمْ أَهْلُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ وَالْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ -وَإِنْ كَانُوا رُؤَسَاءَ- بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، إلَى صَلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ، وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ
[ ٤٨ ]
فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّقْوَى والإِحسان ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (سورة النحل: الآية ١٢٨) . وَلَا تَتِمُّ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ إلَّا بِهَذَا، وَلَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَهَذَا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى طَعَامِهِ، وَلَا يَأْكُلُ هُوَ إلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأول، فَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، تَطْمَعُ فِيهِ النُّفُوسُ، ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في ديتهم مَا لَا يَصْلُحُونَ بِالثَّانِي؛ فَإِنَّ الْعِفَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تُقَوِّي حُرْمَةَ الدِّينِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: «أَنَّ هِرَقْلَ مِلْكَ الروم سأله عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ» . وَفِي الْأَثَرِ: " أَنَّ اللَّه أَوْحَى إلَى إبْرَاهِيمَ الخليل ﵇: يَا إبْرَاهِيمُ: أَتَدْرِي لِمَ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا؟ لِأَنِّي رأيت العطاء أحب إليك من الأخذة. وهذا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرِّزْقِ، وَالْعَطَاءِ، الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَبَذْلُ الْمَنَافِعِ، نَظِيرُهُ فِي الصَّبْرِ وَالْغَضَبِ، الذي هو الشجاعة ودفع المضار. فإن النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلِرَبِّهِمْ. وَقِسْمٌ لَا يِغضبون لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِرَبِّهِمْ. وَالثَّالِثُ -هو الوسط- الذي يغضب لربه لَا لِنَفْسِهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ: خَادِمًا لَهُ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا دَابَّةً، وَلَا شَيْئًا قَطُّ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى ينتقم لله» .
[ ٤٩ ]
فأما من يغضبه لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّهِ، أَوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ. فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ، شَرُّ الْخَلْقِ؛ لَا يَصْلُحُ بِهِمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا. كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابَ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ، هُمْ الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ، وَلَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ، وَيَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ إذَا اُنْتُهِكَتْ محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أَخْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور. وكل ما كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبَ، كَانَ أَفْضَلَ. فَلْيَجْتَهِدْ الْمُسْلِمُ في التقرب إليها بجهده، وَيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُصُورِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ كَمَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ الدِّينِ، فَهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (سورة النساء: من الآية ٥٨) والله أعلم.
[ ٥٠ ]