إثبات نسبتها للمؤلف
يمكن إثبات نسبة الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية بعدة أمور:
١ - نسبَه له عددٌ من تلاميذه، كابن عبد الهادي في ترجمة شيخه (^١)، وفي «مختصر طبقات علماء الحديث»، وابن رُشَيِّق في «أسماء مؤلفات الشيخ»، والذهبي في جزء له في ترجمته، وابن فضل الله في «مسالك الأبصار» (^٢)، وابن الوردي في «تتمة المختصر» (^٣)، وغيرهم.
٢ - أن النسبة إلى مصنفها شيخ الإسلام ثابتة في جميع النسخ الخطية التي وقفنا عليها.
٣ - أن نسخة الأصل التي اعتمدناها المكتوبة سنة (٧٨٠) قد نُقلت من نسخةٍ أصلُها منقول من خط شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه كما في خاتمة ناسخها (ق ٧٨).
٤ - أن أسلوبَ المؤلف الذي درج عليه في عامة كتبه، ويعرفه مَن له خبرة بمصنفاته، ظاهرٌ في هذه الرسالة.
٥ - تطابق الكثير من المسائل والاختيارات التي في الكتاب مع ما في كتب الشيخ الأخرى، وقد أشرنا إلى ذلك في كثير من تلك المواضع.
٦ - أن المؤلف له رسالة أرسلها إلى الأمير سنقرچاه المنصوري (ت ٧٠٧)
_________________
(١) «العقود الدرية» (ص ٣٥).
(٢) «الجامع» (ص ٣١٨). وسبقت الإحالة على المصادر قبله.
(٣) «الجامع» (ص ٣٣٤).
[ ٢٣ ]
لما تولى إمارة صفد سنة (٧٠٤)، وهذه الرسالة أشبه ما تكون بتلخيصٍ لأفكار المؤلف في كتابه هذا في بنائها وتقسيماتها، وإن كنت أجزم بأنه ألَّفها قبل السياسة الشرعية، كما سنفصله في موضعه المناسب، وهذه الرسالة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
٧ - نقل العلماء من الكتاب، فقد نقل منه محمد بن محمد الموصلي (ت ٧٧٤) في كتابه «حسن السلوك الحافظ دولة الملوك» في عدة فصول منه (^١)، والمرداوي في «الإنصاف»: (٧/ ٣٠٣) في توريث المولى من أسفل، وفي (١/ ٣١٨)، (٨/ ٤٣٨)، (١٠/ ٢٢٨) في الحشيشة، والحجاوي في «الإقناع»: (٤/ ٣)، وفي «شرح منتهى الإرادات»: (٣/ ٧٣)، والشربيني في «مغني المحتاج»: (٤/ ١٨٦) في مسألة الحشيشة، والصنعاني في «سبل السلام»: (١/ ١٩٥) في الحشيشة أيضًا، وابن ضويّان في «منار السبيل»: (٢/ ١٥٥، ٢٥٩) فيها، ونقل منه الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح»: (٢/ ٨٦) في مسالة كفر تارك الصلاة، وهو في كتابنا (ص ١٦٥)، وفي «عون المعبود»: (١٠/ ٩٩) في مسألة الحدّ في الحشيشة.
* * * *
_________________
(١) طبع الكتاب في دار الوطن سنة (١٤١٦) بتحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد.
[ ٢٤ ]
ترتيب الكتاب وموضوعاته
أما ترتيب الكتاب؛ فقد رتَّبه المصنف ترتيبًا بديعًا يدل أولًا على عمق الفكرة وتمام التصور للموضوع الذي تكلم فيه. ويدل ثانيًا على قدرة شيخ الإسلام العجيبة على حسن البيان والترتيب والتقسيم (^١)، وسنزداد عجبًا وإعجابًا إذا علمنا أنه ألَّف هذه الرسالة في ليلة واحدة! كما جاء على غلاف نسخة ليدن. وإن كان هذا ليس بمستغرب على هذا الإمام، فإنه قد ألَّف عدة كتب كذلك إما في ليلة أو قعدة (^٢).
* بدأ المصنف كتابه ــ وكان موفَّقًا غاية التوفيق ــ بالأصل الذي بنى عليه هذه الرسالة ثم بانتزاع الدلالة منه قال: «وهذه رسالة مبنية على آية الأمر (^٣) في كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
فبيَّن أن الآية نزلت في ولاة الأمور، وأنها أوجبت عليهم أداء الأمانات
_________________
(١) كما شهد له غير واحد، منهم كمال الدين ابن الزملكاني، انظر «الجامع» (ص ٢٥٢).
(٢) كالواسطية والحموية ورسالة في الحروف، انظر «المداخل لآثار شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص ٧٠، ط الثانية) لشيخنا العلامة بكر أبو زيد - ﵀ -.
(٣) (ي، ز): «آية الأمراء»، والأصل: «أنه الأمر»، و(ط): «آيتين من» ورجحه الشيخ العلامة محمد العثيمين في «شرحه: ص ١٧» والمثبت من (ظ) وبعض النسخ.
[ ٢٥ ]
إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهذان الأمران هما جِماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، وهو مقصود هذه الرسالة.
فالسياسة العادلة والولاية الصالحة لها ركنان:
* الركن الأول: أداء الأمانات (ص ٧).
والأمانات نوعان:
- النوع الأول: الولايات، ولها ركنان: القوة والأمانة (ص ٧).
- فالقوة إما أن تكون في إمارة الحرب؛ فهي ترجع إلى عدة أمور. وإما أن تكون في الحكم بين الناس، وهي ترجع إلى عدة أمور.
- مقصود القوة في الولاية (ص ٣٥).
- والأمانة ترجع إلى ثلاثة أشياء.
- المقصود الواجب بالولايات أمران:
الأمر الأول: إصلاح دين الخلق.
الأمر الثاني: إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمور الدنيا، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبة المعتدين.
- النوع الثاني (من الأمانات): الأموال. وهي قسمان: الأعيان، والديون الخاصة (ص ٤٠).
- ما يجب على ولي الأمر في المال (ص ٤٥).
- الأموال السلطانية ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.
[ ٢٦ ]
* الركن الثاني: الحكم بالعدل (ص ٧).
وهو ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: الحدود والحقوق غير المعينة (ص ٨٣).
ذكر المؤلف منها (قطاع الطريق
_________________
(١) المحاربين ، والسرقة، والزنا، والتلوُّط، وشرب الخمر، والقذف، والمعاصي التي لا حدَّ فيها). - النوع الثاني: الحدود والحقوق لقوم معينين (ص ١٩٥)، وذكر منها: - الدماء، وأنواع القتل الثلاثة (العمد، الخطأ، شبه العمد). - القصاص في الجروح. - القصاص في الأعراض. - الأبضاع من الحقوق (حقوق المرأة، حقوق الرجل). - النوع الثالث: الحكم في الأموال (ص ٢١٨). - وذكر ما يجب على ولي الأمر وغيره. - وتكلم على الغش في المعاملات وأنواعه. - وتكلم على الكيمياء والسيمياء. * فصل في الكلام على الشورى وأهميتها. * فصل في ولاية الناس وأنها من أعظم الواجبات. * أقسام الناس في إرادة العلو والفساد. * * * *
[ ٢٧ ]