وقد دلَّت سنةُ رسول الله - ﷺ - على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر - ﵁ - في الإمارة التي هي الولاية (^١): «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها» رواه مسلم (^٢).
وروى البخاري في «صحيحه» (^٣) عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (^٤).
وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإنَّ وصيَّ اليتيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ولم يقل: إلا (^٥) بالتي هي حسنة.
_________________
(١) «التي هي الولاية» من الأصل.
(٢) (١٨٢٥). قال الشيخ ابن عثيمين في «شرحه» (ص ٣٢) تعليقًا على الحديث: (فلابد من أمرين ــ أي لجواز تولي الولايات ــ أمر سابق وأمر مقارن، الأمر السابق: هو أن يأخذها بحقها بحيث يكون أهلًا لها. والثاني المقارن: أن يؤدِّي ما أوجب الله عليه فيها، فمن لم يكن أهلًا فإنه لا يحل له أن يتولَّاها حتى لو عُرِضت عليه، ومن كان أهلًا ولكن خاف أن لا يعدل فإنه أيضًا لا يجوز له أن يتولاها؛ لأن الله تعالى قال في العدل بين النساء ــ وهو دون ذلك ــ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] فكيف بالولاية؟!).
(٣) (٥٩).
(٤) هذا الحديث سقط من (ي).
(٥) ليست في (ظ).
[ ١٢ ]
وذلك لأن (^١) الوالي راعٍ على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي - ﷺ -: «كلكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» (^٢). أخرجاه في «الصحيحين» (^٣).
وقال - ﷺ -: «ما مِن راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لها إلا حرّم الله عليه رائحةَ الجنّة» رواه مسلم (^٤).
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: أيها الأمير (^٥). فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها وفَّاك سيدُها أجرَك، وإن أنت لم تَهْنَأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على
_________________
(١) (ي): «أن».
(٢) «ألا رعيته» ليست في الأصل و(ي).
(٣) البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٤) رقم (١٤٢)، وأخرجه البخاري (٧١٥٠) من حديث معقل بن يسار - ﵁ -.
(٥) في النسخ خلاف في عدد المرات التي رُدَّ فيها على أبي مسلم، والمثبت من الأصل.
[ ١٣ ]