سبب تأليف الكتاب، ولِمَن أُلِّف
أما سبب تأليفه، فقد أفصح عنه المصنف في مقدمته بقوله: «فهذه رسالة تتضمن (^١) جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية ، اقتضاها (^٢) من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور، كما قال النبي - ﷺ - ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم».
فاتضح أن سبب التأليف هو طلب بعض الأمراء كتابة رسالة في هذا الخصوص بلسان المقال وهو الظاهر أو بلسان الحال.
أما مَن يكون ذلك الأمير؟ فقد جاء على صفحة العنوان من نسخة ليدن (ل) ــ الآتي وصفُها ــ بيان مَن هو الأمير المكتوبة له الرسالة، إذ فيها: «كتاب السياسة الشرعية علّقها ــ ﵀ ــ حين سأله الأمير قيس (كذا) المنصوري فأجابه إلى ذلك. وعلَّقها في ليلة واحدة ﵁ وأرضاه».
كذا ورد اسمه في النسخة (الأمير قيس المنصوري)! وليس من أميرٍ في عصر ابن تيمية ولا بعده يسمى (قيسًا)، وأرجِّح أن يكون الاسم محرَّفًا عن (آقُش ) ويكتب أيضًا: (آقوش) بإشباع الضمة، فالظاهر أن كاتب النسخة وجد الاسم هكذا (آقُش) فلم يحسن قراءته فجعله (قيس). وهو رسم قريب.
وهو: الأمير جمال الدين آقُش الرَّحَبي ــ بالراء والحاء المهملة
_________________
(١) في غير الأصل: «مختصرة فيها».
(٢) أي بعثه على كتابتها وتأليفها.
[ ١٩ ]
المفتوحة والباء الموحَّدة ــ المنصوري (^١).
تولى الولاية بدمشق نحوًا من إحدى عشرة سنة، من سنة تسع وسبعمائة حتى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وكان قبلها قد باشر نيابة الكَرَك من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة وله بها آثار حسنة. ثم انتقل إلى شد الدواوين بالقاهرة مدة أربعة أشهر قبل وفاته. توفي سنة (٧١٩).
وكان هذا الأمير حَسَن السيرة محبوبًا عند الناس، فرح أهلُ دمشق بمقدَمه إليهم أميرًا سنة (٧٠٩)، قال ابن كثير: «وجاءت مراسيمه (أي السلطان) فقرئت على السُّدّة، وفيها الرفق بالرعايا والأمر بالإحسان إليهم، فدعوا له، وقدِم الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائبًا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثاني عشرين جمادى الأولى، فنزل بدار السعادة على العادة، وفرح الناس بقدومه، وأشعلوا له الشموع».
والثناء على هذا الأمير كثير، قال البرزالي: «وكان مشكور السيرة قريبًا إلى الناس، فيه تواضع وحسن خلق، وكان الناس يحبونه ولا يختارون غيره في الولاية».
وقال الصفدي: «كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكلٌّ يحبّه ».
وقال ابن كثير: «وكان محبوبًا إلى العامة مدة ولايته».
_________________
(١) ترجمته في «المقتفى على كتاب الروضتين»: (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١) للبرزالي، و«أعيان العصر»: (١/ ٥٧٦ - ٥٧٧) للصفدي، و«البداية والنهاية»: (١٨/ ١٩٦، ١٩٠، ١١٣)، و«الدرر الكامنة»: (١/ ٤٠٠) لابن حجر.
[ ٢٠ ]
وقد كان شيخ الإسلام - ﵀ - كثير المكاتبة للأمراء والملوك وأصحاب الولايات، بطلبٍ منهم أحيانًا، وابتداءً أحيانًا أخرى قيامًا بواجب البيان والنصيحة.
فمن ذلك: ما سأله «بعض ولاة الأمور وفقه الله تعالى لمعالي الأمور = أن يبين له سبيل حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطَّهر بسبب تهمة وقعت في سرقة ليكتب شيئًا في ذلك » (^١).
ومن ذلك: «كتابٌ كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الأمير شمس الدين سنقرچاه (^٢) المنصوري (^٣) لمّا تولى صفد المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمئة» (^٤).
وكَتبَ الشيخ رسالة إلى البحرين وملوك العرب، ورسالة إلى ملك مصر، ورسالة إلى ملك حماة، ورسالة إلى صاحب قبرص في مصالح تتعلق بالمسلمين (^٥).
* * * *
_________________
(١) وهذه الرسالة تسمى: «الرسالة في أحكام الولاية» وهي مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
(٢) وتكتب أيضًا «سنقرشاه».
(٣) ترجمته في «أعيان العصر»: (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، و«الدرر الكامنة»: (٢/ ١٧٥).
(٤) وهذه الرسالة مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي.
(٥) انظر «الجامع لسيرة ابن تيمية» (ص ٣١١ - مؤلفات ابن تيمية لابن رشيق).
[ ٢١ ]