لأنَّ هذا جميعَه أخذُ مالٍ للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نُصِبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمَكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه= كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نَصَبْتَه ليعينك على عدوِّك، فأعان عدوَّك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهِدَ به في سبيل الله تعالى، فقاتلَ به المسلمين!!
يوضح ذلك: أن صلاح البلاد والعباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^١)، فإن صلاح المعاش والمعاد (^٢) في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (^٣)، وقال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿(٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا﴾ [المائدة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿(١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥].
فأخبر الله تعالى أن العذابَ لما نزل نَجَّى الذين ينهون عن السيئات،
_________________
(١) (ظ): «المنكرات».
(٢) الأصل: «الفاش والعباد»! والمثبت من بقية النسخ.
(٣) هذه الآية سقطت من الأصل.
[ ٩٦ ]
وأخَذَ الظالمين بالعذاب الشديد.
وفي الحديث الثابت: أنَّ أبا بكر الصديق - ﵁ - خطبَ الناس على منبر رسول الله - ﷺ - فقال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (^١)﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب (^٢) منه» (^٣).
وفي حديث آخر: «إن المعصية إذا خفيَتْ (^٤) لم تضرّ إلا صاحبَها، ولكن إذا ظهرَت فلم تُنْكَر ضرَّت العامة» (^٥).
وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه مقصودُه (^٦) الأكبر هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف مثل:
_________________
(١) في هامش (ي) تعليق نصه: (فدل قوله تعالى: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على المقصود وأنها لا تتم الهداية إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
(٢) (ظ، ب، ل): «بعذاب».
(٣) أخرجه أحمد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٣٠٥٧، ٢١٦٨)، والنسائي في «الكبرى» (١١٠٩٢)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وابن حبان «الإحسان» (٣٠٤) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان، والمصنف.
(٤) (ز): «أخفيت».
(٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٧٦٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (٧/ ٥٢٨): فيه مروان بن سالم الغفاري وهو متروك. وأخرجه البيهقي في «الشعب» (٧١٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية»: (٥/ ٢٢٢) وغيرهم من قول بلال بن سعد.
(٦) الأصل: «ومقصوده».
[ ٩٧ ]