وبعد (^١)؛ فهذه رسالة تتضمّن (^٢) جوامعَ من السياسة الإلهية والإيالة (^٣) النبوية، لا (^٤) يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور (^٥)، كما قال النبي - ﷺ - ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم» (^٦).
وهذه (^٧) رسالةٌ مبنية على آية الأمراء (^٨) في كتاب الله وهي قوله تعالى:
_________________
(١) (ف، ظ، ي، ز): «أما بعد».
(٢) في غير الأصل: «مختصرة فيها».
(٣) (ظ): «الآثار»، و(ط): «الآيات»، وعلق في هامش (ز): «لعلها الولاية كما يدل عليه آخر الكلام». والصواب المثبت من باقي النسخ، والإيالة هي: السياسة. انظر «اللسان»: (١١/ ٣٦)، وصرح بذلك المصنف في «مجموع الفتاوى»: (٢٢/ ٤٦٣)، وابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص ٢٢٩ - عالم الفوائد).
(٤) الأصل و(ي): «ولا».
(٥) جاء على ورقة العنوان في نسخة (ل) بيان اسم الأمير المكتوبة له الرسالة وفيها: «كتاب السياسة علقها - ﵀ - حين سأله الأمير قيس (كذا وصوابه: آقُش) المنصوري فأجابه إلى ذلك. وعلَّقها في ليلة واحدة ﵁ وأرضاه». وراجع المقدمة في تصحيح اسمه والتعريف به.
(٦) أخرجه مسلم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٧) (ز): «مَبْنية». وعلق في الهامش: «قوله مبنية صفة لـ (رسالة). وقوله: (الرسالة) لعله: أي الرسالة. وكان بالهامش فألحق بالصلب».
(٨) المثبت من (ي، ز) ويؤيده قول المصنف في رسالة مخطوطة: «آية ولاة الأمور، والأصل: «أنه الأمر»، و(ط): «آيتين من» ورجحه العثيمين في «شرحه» (ص ١٧) و(ظ) وبعض النسخ: «آية الأمر».
[ ٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ [أ/ق ٢] إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة (^١) أولي الأمر الفاعلين لذلك في قَسْمهم وحُكْمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله ﷿. فإذا أمروا بمعصية الله ﷿ (^٢) فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
وإن لم تفعل ولاةُ الأمر ذلك أُطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأُدِّيت حقوقُهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأُعِينوا على البر والتقوى، ولا يُعَانون على الإثم والعدوان (^٣).
وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جِماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة.
_________________
(١) (ف، ي، ظ، ز): «أن يطيعوا».
(٢) «فإذا أمروا بمعصية الله ﷿» ليست في (ي، ز).
(٣) في (ظ، ط) بدلًا من العبارة الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
[ ٥ ]