ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه لهوى نفسه؛ من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك، فضلًا أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه؛ كعطية المُخنثين من الصبيان المردان؛ الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا، والمغنين، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرَّافين من الكُهَّان والمُنَجِّمين ونحوهم.
لكن يجوز، بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحلُّ له أخذ ذلك، كما أباح الله ﷾ في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم (^١) من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي - ﷺ - يعطي الأقْرَع بن حابس سيد بني تميم، وعُيينة بن حِصْن سيد بني فَزارة، وزيد الخير (^٢) الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري سيد بني كلاب. ومثل سادات قريش من الطلقاء (^٣)؛ كصفوان بن أُمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير.
_________________
(١) في هامش (ي) تعليق نثبت ما ظهر منه: ([كان] يؤلف أجل وأما بعد قوة فلم يؤثر أن النبي - ﷺ - تألف مسلمًا، ولا وقع بعده من أحد من الخلفاء الأربعة، حتى قال بعض العلماء: إنه قد نسخ التأليف و المصارف بعد سبعة) اهـ.
(٢) (ي، ز): «الخيل» وهذا اسمه قبل إسلامه ثم سماه النبي - ﷺ - زيد الخير. انظر «الإصابة»: (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣).
(٣) تصحفت في (ف): «الخلفاء».
[ ٧٤ ]
ففي «الصحيحين» (^١) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: بعثَ عليٌّ وهو باليمن بذُهَيبة في تُرْبتها إلى رسول الله - ﷺ -، فَقَسَمها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر (^٢) الفَزَاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري أحد (^٣) بني كلاب، وزيد الخير (^٤) الطائي أحد بني نبهان.
قال: فغضبت قريش والأنصار فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا؟ ! فقال رسول الله - ﷺ -[أ/ق ٢٢]: «إني إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم»، فجاء رجلٌ كثُّ اللحية، مشرف الوَجْنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله - ﷺ -: «فمن يُطِعِ الله إن عصيتُه؟ أيأمَنُنِي على أهل الأرض ولا تأمَنُوني؟».
قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله ــ ويرون أنه خالد بن الوليد ــ فقال رسول الله - ﷺ -: «إن من ضِئْضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجِرَهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ».
وعن رافع بن خَديج قال: أعطى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعُيَينة بن حصن، والأقرعَ بن حابس، كلَّ إنسان منهم مئةً
_________________
(١) البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) واللفظ له.
(٢) (ف، ظ، ب): «بن حصن»، وفي هامش (ي): (الظاهر: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر).
(٣) (ي، ز): «ثم أحد»، وكذلك ما بعدها في (ز) فقط.
(٤) (ي، ز): «الخيل» انظر ما سبق في الصفحة الماضية.
[ ٧٥ ]
من الإبل، وأعطى عباسَ بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ ـدِ بين عيينه والأقرع
فما كان حِصْنٌ (^١) ولا حابسٌ يفوقان مرداس في المجمع
وما كنتُ (^٢) دونَ امرئٍ منهما ومن تَخْفِضِ اليومَ لا يُرْفَع
قال: فأتمَّ له رسول الله - ﷺ - مئة. رواه مسلم (^٣). والعُبَيد: اسم فرس له.