لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المُعْسِر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يُطْلَب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعدادُ للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها.
فصل
والمهم (^١) في هذا الباب معرفة الأصلح (^٢) وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدَّموا في ولايتهم من يُعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته (^٣).
وقد كانت السُّنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب، الذين هم نُوَّاب ذي السلطان على الجند، ولهذا لما قدَّم النبي - ﷺ - أبا بكر في الصلاة، قدَّمَه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.
وكان النبي - ﷺ - إذا بعث أميرًا على حرب (^٤) كان هو الذي يؤمُّ
_________________
(١) (ط): «وأهم ما».
(٢) (ي): «الإصلاح» وكتب فوقها: الظاهر: الأصلح.
(٣) علق الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص ٦٤): (ولهذا تجد الملوك ورؤساء البلدان يقربون من العلماء مَن يوافقهم على أهوائهم، وإن كان في البلد مَن هو أعلم وأدين ممن قربوه؛ لأنهم إنما يريدون الوصول إلى أهوائهم ).
(٤) (ي): «الحرب».
[ ٢٧ ]
الصلاة (^١) بأصحابه. وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة كما استعمل عَتَّاب بن أَسِيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًّا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وأبا سفيان (^٢) [و] عَمرو بن حزم على نجران= كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب.
وكذلك (^٣) خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي - ﷺ - في الصلاة والجهاد. وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاةً وينكأ لك عدوًّا» (^٤).
_________________
(١) (ي، ز، ب، ل): «يؤمِّره للصلاة».
(٢) قوله: «أبا سفيان» من الأصل فقط. وقد ذكر غير واحد من العلماء أن النبي - ﷺ - توفي وأبو سفيان والٍ له على نجران بعد عمرو بن حزم. لكن قال الواقدي: (أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون: كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي - ﷺ -، وكان عاملها حينئذ عمرو بن حزم) اهـ. وقال ابن حجر: ولا يثبت. انظر «معرفة الصحابة»: (٣/ ٤٢) لأبي نعيم، و«أسد الغابة»: (٢/ ٣٩٢) لابن الأثير، و«الإصابة في معرفة الصحابة»: (٣/ ٤٠٣) لابن حجر.
(٣) (ف، ز): «وكذلك كان».
(٤) أخرجه أحمد (٦٦٠٠)، وأبو داود (٣١٠٧)، وابن حبان (٢٩٧٤)، والحاكم: (١/ ٣٤٤) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -. والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي. لكن في سنده حُيي بن عبد الله المعافري لم يخرج له مسلم وفيه ضعف، وقال ابن عدي (٢/ ٤٥٠): إن عامة أحاديثه بهذا الإسناد لا يُتابع عليها.
[ ٢٨ ]
ولما بعث النبيّ - ﷺ - معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إن أهمَّ أمرك عندي الصلاة» (^١).
وكذلك كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يكتب إلى عماله: إن أهمَّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حَفِظَ دينَه، ومن ضيعها كان لما سِواها من عمله أشد إضاعة (^٢).
وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: «الصلاة عماد الدين» (^٣). فإذا أقام المتولي عمادَ الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تُعِيْن الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال ﷾: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال: ﴿(١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقال ﷿ لعبده ونبيه (^٤) - ﷺ -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ
_________________
(١) لم أجده.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٢٠٣٧ - ٢٠٣٩)، والبيهقي في «الكبرى»: (١/ ٤٤٥).
(٣) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٢٥٥٠) بسند ضعيف من حديث عكرمة عن عمر مرفوعًا، ونقل عن شيخه الحاكم أنه قال: عكرمة لم يسمع من عمر، قال: وأظنه أراد عن ابن عمر. وقال النووي في التنقيح: منكر باطل. وتعقبه ابن حجر في «التلخيص»: (١/ ١٨٣) بقوله: (وليس كذلك، بل رواه أبو نعيم شيخ البخاري في «كتاب الصلاة» عن حبيب بن سليم، عن بلال بن يحيى، قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله، فقال: الصلاة عمود الدين». وهو مرسل رجاله ثقات) اهـ. ويشهد له حديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة » وسيأتي تخريجه. وانظر: «المقاصد الحسنة» (ص ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٤) (ف، ي، ز): «وقال تعالى لنبيه».
[ ٢٩ ]