فمنها خمس الغنائم، وذلك أن كل ما يغنمه المسلمون من أعدائهم بالقتال يؤخذ خمسة لبيت مال المسلمين لصرفه في المصارف التي بينها الله سبحانه في قوله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
ويقسم أربعة أخماسه بين القائمين على ما جاء في الأحاديث والآثار وإنما أخذ الخمس لمن سمى الله في كتابه العزيز لتكون قلوب هؤلاء مع المقاتلين ولأجل أن لا يكون من وراء الجند من يحقد عليهم، ولذا قال الرسول -ﷺ: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم".
ومنها خمس المعادن والركاز، وهي ما يوجد دفينا في الأرض سواء أكان جزءا من باطن الأرض خلقه الله فيها يوم خلقها وهو المسمى بالمعدن أم
_________________
(١) ١ الأنفال: ٤١.
[ ١٣١ ]
كان مدفونا في باطنها بفعل الإنسان وهو المسمى بالكنز، فإذا وجد شيء من ذلك في غير ملك أحد يؤخذ خمسة لبيت مال المسلمين لصرفه في مصارف خمس الغنائم ويترك أربعة أخماسه للواجد. قال القاضي أبو يوسف في كتابه "الخراج": "في كل ما أصيب من المعادن من قليل أو كثير الخمس، ولو أن رجلا أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضة، أو أقل من وزن عشرين مثقالا ذهبا فإن فيه الخمس، ليس هذا على موضع الزكاة إنما هو على موضع الغنائم، وليس في تراب ذلك شيء، إنما الخمس في الذهب الخالص وفي الفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، قد تكون النفقة تستغرق ذلك كله فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلا كان أو كثيرا ولا يحسب عليه من نفقته شيء، وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة -مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرة- فلا خمس في شيء من ذلك إنما ذلك كله بمنزلة الطين والتراب" قال: "وأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله ﷿ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضا الخمس، فمن أصاب كنز عاديا في غير ملك أحد فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب فإن في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمس وما بقي لهم".
ومنها تركة من لا وراث له من أصحاب الفروض أو العصبة أو ذوي الأرحام أو لا يرثه إلا أحد الزوجين، ففي الحال الأولى يستحق التركة
[ ١٣٢ ]
كلها بيت مال المسلمين تصرف في مصارف الدولة العامة، وفي الحال الثانية يستحق الباقي بعد نصيب أحد الزوجين بيت مال المسلمين كذلك، وإنما فرق بين أحد الزوجين وبين غيرهم من أصحاب الفروض لأن كل واحد من الزوجين لا يستحق إلا بالفرض ولا يرد عليه بعد فرضه شيء فيكون الباقي بعد فرضه لا مستحق له فيستحقه بيت المال، وأما غيرهما من أصحاب الفروض فإنه يستحق فرضه ويستحق أن يرد عليه ما بقي وما دام للمال الموروث مستحق فهو أحق من بيت المال لأن بيت المال إنما يوضع فيه ما لا مستحق له على قاعدة أن المصالح العامة هي مصرف كل ما ليس له مستحق خال، وعلى هذه القاعدة نفسها توضع أموال اللقطة والودائع والعواري التي لم يعرف مالكها وهذا باب من أبواب الإيراد لبيت مال المسلمين.
[ ١٣٣ ]