قال أبو الحسن المارودي في الأحكام السلطانية "وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة:
الأول: العدالة على شروطها الجامعة.
الثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.
الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.
الرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض.
الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
السادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.
السابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد
[ ٦١ ]
الإجماع عليه ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق -﵁- احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي -ﷺ: "الأئمة من قريش". فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير تسليمًا لروايته وتصديقًا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي -ﷺ: "قدموا قريشًا ولا تتقدموها" وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه ولا قول لمخالف له".
فأما الشروط الستة الأولى: من العدالة، والعلم، وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء، والرأي، والشجاعة فظاهر اشتراطها وكلها ترجع إلى العدلة والكفاية والقدرة على حمل المسلمين أن يتبعوا قانونهم ومنع غيرهم أن يعتدي عليهم. وكلها لا بد منها ليقوم الإمام بواجبه من حراسة الدين وسياسة الدنيا. وكلها متفق عليها.
وأما الشرط السابع فمختلف فيه ومنشأ الخلاف عدم القطع بصحة النص الوارد فيه، ومعارضته للنصوص الكثيرة التي وردت بإلغاء اعتبار الأنساب والاعتماد على الأعمال والنعي على من دعا إلى عصبية وفقد الرابطة بينه وبين الغاية التي من أجلها يولى الإمام، لأن شرط الشيء لا بد أن يكون ذا صلة في الوصول إلى المقصود به. والنسب القرشي إن كان مشروطًا لذاته فليست الغاية تقتضيه لأن حراسة الدين وسياسة الدنيا تكون من الكفء القادر أيا كان نسبه، وإن كان مشروطًا لما كان لقريش من المنعة والقوة التي يستعين بها الخليفة على أداء واجبه وجمع
[ ٦٢ ]
الكلمة حوله فهو شرط زمني مآله اشتراط أن يكون الخليفة من قوم أولي عصبية غالبة ولا طراد لاشتراط القرشية.
قال ابن خلدون بعد بحث مستفيض: "فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية. فاشترطنا في القائم بأمر المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم، وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة. وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا. لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عبادة ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه".
ومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إمامًا له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد الذين تختارهم الأمة من أهل العدالة والعلم والرأي وتتبعهم في أمورها العامة وأهمها اختيار الخليفة ومبايعته. وقد ذكر العلماء أن الإمام كما يصير إمامًا بالبيعة يصير إمامًا بالاستخلاف وبولاية العهد. وهذا القول ظاهره ليس صوابًا لأن الاستخلاف والعهد إن لم يقره أهل الحل والعقد لا يكون المستخلف به
[ ٦٣ ]
إمامًا ولا يجب له حق الطاعة. فالعمدة على بيعة أهل الحل والعقد، لا على الاستخلاف والعهد. ولو أن المسلمين رأوا بعد وفاة أبي بكر خيرًا من عمر وبايعوه ما عارضهم معارض ولا كان عهد أبي بكر حجة عليهم، وكذلك لو بايع المسلمون واحدًا غير الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، فالعهد أو الاستخلاف لا يعدو أن يكون ترشيحًا من السلف للخلف. والأمة بعد ذلك صاحبة القول الفصل فيمن تختاره إمامًا، كما أن لها الحق في الإشراف على سياسته في عهد إمامته ولها الحق في عزله إذا لم يقم بما عاهدهم عليه في بيعته.
فالرأي في تولية الخليفة لأولي الحل والعقد لا للفرد أيا كان ولذلك عد عمر مبادرته ببيعة أبي بكر فلته وقي الله المسلمين شرها لأنه بايعه قبل التشاور بين أولي الحل والعقد. وأبو بكر لم يرشح عمر حتى أطال التشاور مع كبار الصحابة ولم يعبه أحد إلا بشدته، ولما أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من رجال الشورى الستة وجعلوا له الاختيار بقي ثلاثًا لا تنكحل عينه بكثير نوم وهو يشاور كبراء المهاجرين والأنصار.
[ ٦٤ ]