قدمنا أن أمر المسلمين يجب أن يكون شورى بينهم لا يستقل به واحد منهم وأن تكون الرياسة العليا لمن يبايعه أولو الحل والعقد أيا كانت أسرته وأيا كان منبته.
[ ٦٤ ]
وهذه الرياسة العليا مكانتها من الحكومة الإسلامية مكانة الرياسة العليا من أية حكومة دستورية، لأن الخليفة إنما يستمد سلطانه من الأمة الممثلة في أولي الحل والعقد ويعتمد في بقاء هذا السلطان على ثقتهم به ونظره في مصالحهم، ولهذا قرر علماء المسلمين أن للأمة خلع الخليفة لسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمل أولى المضرتين وعللوا هذا بأن من ملك المسئولية ليستقيم الأمر يملك العزل عند اعوجاجه، وأبو بكر الصديق أول من ولي الخلافة قال في فاتحة خطبته: "أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدقت فقوموني" وقال في خاتمتها: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". وروي مثل هذا عن عمر وعثمان مما يؤيد إيمانهم بسلطة الأمة عليهم وشعورهم بالمسئولية أمامها.
وإنما تختلف الخلافة عن سائر الرياسات العليا في الحكومات الدستورية في أن الخلافة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا وكما أن الخليفة تشمل ولايته التشريع والقضاء والتنفيذ وغير هذا مما تقتضي به سياسة الملك ونظام الشئون الدنيوية فإن له أيضًا إمامة الصلاة وإمارة الحج والإذن بإقامة الشعائر في المساجد والخطبة في الجمع والأعياد، وغير هذا من الشئون الدينية. ومنشأ الجمع بين الولايتين له أن الغاية من إقامته ومبايعته أن يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا به، وذلك قاض بأن يكون له النظر في الشئون الدينية والدنيوية معًا، وكذلك جميع الشئون هي وسائل لإصلاح الرعية واستقامة أمورها، وهذا الإصلاح هو الغاية
[ ٦٥ ]
المرجوة من نصب الخليفة ومبايعته، ولا تجد في الإسلام شأنًا دينيًا لا صلة بينه وبين سعادة الإنسان في دنياه.
وليس عموم ولاية الخليفة وشمولها للشئون الدينية بجاعل الخليفة ذا صلة إلهية أو مستمدًا سلطانه من قوة غيبية، وما هو إلا فرد من المسلمين وثقوا بكفايته لحراسة الدين وسياسة الدنيا فبايعوه على أن يقوم برعاية مصالحهم، وله عليهم حق السمع والطاعة، وسلطانه مكتسب من بيعتهم له وثقتهم به.
ومن هذا يتبين أن الصفة الآلهية التي ألصقها بالرياسة العليا في الحكومة الإسلامية بعض الجهال من عباد السلطة تفخيمًا لشأن الخلفاء وتقديسًا لهم ليست من أصل الدين في شيء وقد قيل لأبي بكر: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله. وجمهور العلماء على أنه لا يجوز تلقيب الخلفاء بهذا اللقب ونسبوا قائله إلى الفجور وقالوا: يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت. وكثير من آيات الكتاب الكريم تنفي أن يكون للرسول سلطة دينية على أحد، وأولى أن لا تكون هذه السلطة لواحد من خلفائه. قال تعالى لرسوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ٢، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. وفي كثير من آي الكتاب وسنة الرسول وخلفائه الراشدين ما يؤيد الاهتداء برأي الجماعة ورجوع الخليفة عن رأيه إذا بان الصواب في رأي غيره. في كتاب الإسلام والنصرانية "الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط
_________________
(١) ١ الغاشية: ٢١. ٢ ق: ٤٥. ٣ البقرة: ٢٧٢.
[ ٦٦ ]
الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة وهو لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء إنما يتفاضلون بصفاء العقل، وكثرة صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه، وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم".
[ ٦٧ ]