والأصدقاء صنفان
أَحدهمَا الأصفياء المخلصون فِي الصداقة فَيَنْبَغِي للمرء أَن يديم ملاطفتهم وتعهد أَحْوَالهم وأسبابهم وإهداء مَا يستحسنه وَمَا تيَسّر لَهُ إِلَيْهِم فِي كل وَقت وَيخْفى الْحَال فِيمَا بَينه وَبينهمْ بِغَيْر أَن يظْهر مِنْهُ ملال أَو تَقْصِير
ويجتهد فِي الأكثار مِنْهُم غَايَة الْجهد فَإِن الصّديق زين الْمَرْء وعضده وعونه وناصره ومذيع فضائلة وكاتم هفواته وَمَا حَيّ زلاته وَمهما كَانَ هَؤُلَاءِ أَكثر كَانَت أَحْوَال الْمَرْء فِيمَا بَينهم أحسن وأقوم
والصنف الآخر الأصدقاء فِي الظَّاهِر عَن غير صدق فِيمَا يظهرونه بل بتشبه وتصنع فَيَنْبَغِي للمرء أَن يجاملهم وَيحسن إِلَيْهِم وَلَا يطلعهم عَن شَيْء من أسراره وخصوصا من عيونه وَلَا يلقى إِلَيْهِم من خَواص أَحَادِيثه وأفعاله وأحواله وَلَا يحثهم عَن نعْمَة وَلَا عَن أَسبَاب مَنَافِعه
وليجتهد فِي استمالتهم وَالصَّبْر مَعَهم بِحَسب الظَّاهِر دون أَخذهم بِالْبَاطِلِ وَلَا يَأْخُذهُمْ بالتقصير وَلَا يقطع عتابهم فِيمَا يَقع مِنْهُم من التَّقْصِير وَلَا يجازهم
[ ٢٠ ]
على ذَلِك فَإِنَّهُ مهما فعل ذَلِك ترجى صَلَاحهمْ ورجوعهم إِلَى مُرَاده ولعلهم يصيرون فِي رُتْبَة الأصفياء لَهُ وَلَيْسَ شَيْء أدل على صدق الإخاء وَإِظْهَار الْوَفَاء وَلَا أَشد استجلابا للمحبة وَوُجُوب الْحق من تعهد أَحْوَال أصدقاء الأصدقاء فَإِن الْمَرْء إِذا رأى صديقه وَهُوَ يتعهد أَحْوَال أخلانه والمتصلين بِهِ يسْتَدلّ بذلك على صدق محبته لَهُ ويثق بوداده ويقوى أمله ورجاؤه فِيهِ وَأفضل مَا يَسْتَعْمِلهُ الْمَرْء مَعَ أصدقائه هُوَ أَن يتعهد أَحْوَالهم عِنْد الْحَاجة والفاقة ويؤاسيهم بِمَا يُمكنهُ من غير أَن يحوجهم إِلَى المسئلة ويتعاهد أقاربهم وعائلاتهم إِذا مَاتُوا فَإِنَّهُ مَتى شهر بذلك رغب صداقته كل أحد وَبِذَلِك يكثر أصدقاؤه