الفصل الثاني: جريمة السرقة
المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى
ويتناول الحديث عنها مطلبين.
المطلب الأول: تعريف السرقة.
المطلب الثاني: سرقات أختلف في وجوب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة.
المطلب الأول: تعريف السرقة
السرقة في اللغة: أخذ الشيء خفية، ومن ذلك استراق السمع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ١، وسرق منه الشيء أخذه خفية من حرزه، والسارق اسم فاعل، وهو من جاء مستترًا إلى الحرز، فأخذ منه ما ليس له٢.
وعرفها فقهاء الأحناف: بأنها أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصابًا محرزًا للتمول غير متسارع إليه الفساد، ومن غير تأول ولا شبهة٣، وعرفها فقهاء المالكية: بأنها أخذ مال الغير مستترًا من غير أن يؤتمن عليه، أو بأنها: أخذ مكلف، حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا لغيره نصابًا أخرجه من حرزه بقصد واحد، خفية لا شبهة له فيه٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة الحجر. ٢ لسان العرب: المصباح المنير، مختار الصحاح. ٣ فتح القدير ج٥ ص٣٥٤. ٤ الخرشي ج٨ ص٩١ بداية المجتهد ج٢ ص٣٧٢.
[ ٥٢٩ ]
وعرفها فقهاء الشافعية: بأنها -أخذ مال خفية من حرز مثله بشرائط١، وعرفها فقهاء الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء٢.
ويلاحظ أن تعاريف الفقهاء للسرقة متفقة في تحديد معناها، وشروطها التي أن تخلفت، أو تخلف واحد منها لم تعد الواقعة سرقة معاقبًا عليها بالعقوبة الحدية.
كما يتضح من تعريف فقهاء الأحناف، أنهم أشدط الناس تضييقًا لدائرة السرقة الحدية.
وإن فقهاء لمالكية قد اعتبروا أخذ الحر الصغير الذي لا يعرف أين يذهب به، سرقة موجبة للحد.
ومما هو واضح في تعاريف الفقهاء للسرقة الحدية، أنهم نصوا على انعدام للشبهة في المال المأخوذ، حتى يمكن اعتبار الفعل جريمة من الجرائم الحدية.
كما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق بين السرقة الصغرى التي هي محل البحث الآن، وبين السرقة الكبرى التي يؤخذ فيها المال على سبيل آخر غير الاستخفاء، وسيأتي الحديث عنها في المبحث التالي.
كما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق أيضًا بين جريمة السرقة عند فقهاء الشريعة، وما يراد بها عند القانونيين.
_________________
(١) ١ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج٧ ص١٨ ط الحلبي. ٢ الروض المربع بشرح زاد المستقنع للبهوتي ج٢ ص٣٦٩ متن الإقناع مع كشاف القناع للمقدسي ت سنة ٩٦٠هـ ج٦ ص١٢٩.
[ ٥٣٠ ]
إذ إن القانونيين يطلقون السرقة على اختلاس المنقول المملوك للغير، ويدخل ضمن ذلك كله استيلاء على مال الغير من غير رضاه؛ لأن فعل الاختلاس يتوافر إذا قام الجاني بحركة مادية، ينقل بها الشيء إلى حيازته، أيا كانت طريقته في ذلك: بالنزع أو السلب، أو الخطف، أو النقل، وما إليها.
وكل ما يشترطه القانونيين هو أن يكون الاستيلاء على الشيء، قد تم بفعل الجاني، وليس من الضروري عندهم أن يكون الاستيلاء بيد الفاعل، فيعد سارقًا كل من قرب حيوانًا، واستخدمه في الاستيلاء على شيء، ونقله إلى مدربه ويكفي لكي يعد الشخص سارقًا أن يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه، حتى تنحدر إليها عند وردها١، وكل ما عده القانونيون لا يخرج عن مفهوم السرقة المعاقب عليها، عند فقهاء الشريعة بالمعنى العام للعقوبة، وإن كان بعضه فقط، هو الذي ينطوي تحت مفهوم السرقة الحدية المعاقب عليها بالعقوبة المقدرة من لدن الشارع الحكيم.
ولا غرو في هذا إذ أن العقوبات كلها التي وضعها فقهاء القانون، ما هي إلا من باب العقوبات التعزيرية عند فقهاء الشريعة، وإن اختلفتا من بعض الوجوه.
والحديث عن جريمة السرقة الصغرى، والشبهات التي تعتريها يتناول أنواعًا من السرقة التي لا يجب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة.
وهذا ما سيتضمنه المطلب الثاني من هذا المبحث.
_________________
(١) ١ شرح قانون العقوبات القسم الخاص أ. د: محمود مصطفى ص٤٤١-٤٤٢. شرح قانون العقوبات القاسم الخاص. أ. د: أحمد الألفي ص٢٦٨-٢٦٩.
[ ٥٣١ ]