أي أن الفاعل هنا يعلم الحكم الشرعي للوطء المحرم، غير أنه أتى فعله هذا، وهو يعتقد أن المحل الذي واقعه محل مباح له مواقعته، معتمدًا في ذلك الاعتقاد على الوقائع الجوهرية المصاحبة للفعل، والسابقة عليه.
ويتضح ذلك فيما يأتي:
١-رجل واقع امرأة زفت إليه على أساس أنها زوجته، ثم اتضح له بعد مواقعتها أنها ليست هي التي عقد عليها، فلا حد عليه ما دام قد واقعها معتقدًا حلها له مع وجود ما يبرر هذا الاعتقاد، ويقويه، ولا حد عليها إن كانت تعتقد أنه زوجها.
فإن كان أحدهما يعمل حقيقة صاحبه، وأنه ليس هناك ما يبيح الحل، وجب الحد على من علم ذلك.
[ ٥٠٢ ]
أما من لم يعلم فلا حد عليه، يقول ابن الهمام مبينا ذلك: "ومن زفت أي بعثت إليه غير امرأته، وقال النساء: هي زوجتك، فوطئها لا حد عليه وعليه المهر: قضى بذلك علي -﵁- وبالعدة؛ ولأنه اعتمد دليلًا، وهو الإخبار في موضع الاشتباه، لذ الإنسان لا يميز بين امرأته، وبين غيرها في أول الوهلة، وهذه إجماعية لا يعلم فيها خلاف"١.
٢- رجل وجد امرأة في فراشه، فظنها زوجته، لتماثل أوصافهما من حيث الصغر أو الكبر وما إلى ذلك، فلا حد عليه عند الجمهور اعتمادًا على وجودها في فراشه الذي هو قرينة الزوجية، مع وجود هذا التماثل في الأوصاف بينهما، وعدم علمه أن أحدًا في منزله غير زوجته، ولم يبد له منها ما يعرف به حقيقتها، فوجود هذا الظن المبني على الملابسات القوية، والقرائن المصاحبة قد نتج عنه انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل.
يقول ابن قدامة عند حديثه، عما ينتفي به القصد الجنائي، ولا يجب به حد: "أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه، فلا حد عليه، "ويعلق ابن قدامة على ذلك بقوله": ولنا أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ولو قيل له: هذه زوجتك؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها"٢.
_________________
(١) ١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٨، المبسوط ج٩ ص٥٧-٥٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، الخرش ج٥ ص٧٥، المغني ج٨٥ ص١٨٤، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٧-١٦٩، أحكام الأسرة في الاستلام ص١٣٦. ٢ المغني ج٨ ص١٨٤، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، المهذب ج٢ ص٢٦٨، الخرش ج٨ ص٧٥. المحلى ج١٣ ص٢١٦-٢١٨، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٧.
[ ٥٠٣ ]
وذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى أن من وجد امرأة في فراشه، فوطئها فعليه الحد، وبين ابن الهمام رأي جمهور فقهاء الأحناف بقوله: "ولنا أن المسقط شبهة الحل، ولا شبهة هنا أصلًا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا؛ لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها الزائرات له، وقرباتها، فلم يستند الظن إلى ما يصلح دليل حل".
ولم يستثن فقهاء الأحناف من وجوب الحد في ذلك إلا حالة واحدة، وهي ما إذا دعي الأعمى زوجته، فإجابته امرأة أجنبية، وقالت: أنا زوجتك فواقعها، فلا حد عليه؛ لأن الإخبار دليل، وجاز تشابه النغمة خصوصًا لو لم تطل الصحبة، وذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى القول بدرء الحد، وإن أتته ساكته١، وما أرجحه في ذلك هو أن القاضي إذا اقتنع بأن الفاعل أشكل عليه الأمر، واعتقد أن من واقعها هي زوجته، لتوافقهما في الصوت والأوصاف. وقيام القرائن الدالة، فإنه لا حد لقيام الشبهة التي ينتفي معها القصد الجنائي.
أما إن كان ذلك من باب التذرع بالحيل، وادعاء الشبهة فالحد واجب إذا العبرة بقوة الشبهة المدركة، لا مجرد وجودها، وفقهاء الجمهور، وإن أسقطوا الحد، فمنهم لم يسقطوه لمجرد أنه وجدها في فراشه، وإنما لما صاحب ذلك من توافق، وقرائن قوية، وصلت به إلى اعتقاد أنها زوجته.
فلا خلاف إذا بينهم، وبين ما ذهب إليه جمهور فقهاء الأحناف الذين لم يسقطوا الحد لمجرد أنه وجدها في فراشه، وأسقطوه إذا اعتقد ذلك بناء على القرائن، وقصر الصحبة.
_________________
(١) ١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٨-٢٥٩، المبسوط ج٩ ص٥٧-٥٨.
[ ٥٠٤ ]