هي لغة اسم لما يجنيه المرء من شر اكتسبه، يقال: جنى على قومه جناية أذنب ذنبًا يؤاخذ عليه.
وأصله من جنى الثمر: وهو أخذه من الشجر، وعو عام، إلا أنه خص بما يحرم من الفعل.
ويسمى مكتسب الشر جانبًا، والذي وقع عليه الشر: مجنيا عليه، فالجناية هي الذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب العقاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة١.
_________________
(١) ١ لسان العرب ج ١٨ ص١٦٨ الدار المصرية للتأليف، المصباح المنير ج١ ص٥٨.
[ ٢٥ ]
والجناية في الشرع: اسم لفعل مجرم سواء أكان في مال أو نفس، لكن في عرف الفقهاء: الفعل المؤثم الواقع على النفس والأطراف، سواء أكان قتلًا أم ضربا أم جرحًا، أم غير ذلك.
وقد خصها بعض الفقهاء بما وقع من جرائم الحدود والقصاص١، وزاد على ذلك بعض فقهاء الأحناف، فأطلقها على كل فعل مجرم سواء أكان في مال أم كان في نفس١.
وقد اتجه ابن قدامة هذا الاتجاه في تعريفه للجريمة، فأطلقها على كل فعل فيه عدوان على نفس أو مال، ثم أشار إلى ما تعارف عليه الفقهاء من الحنابلة وغيرهم من أنهم خصوا الجريمة بالتعدي على الأبدان بما يوجب قصاصًا، أو غيره٢، فقال: "لكنها في العرف" أي عرف الكتاب في الفقه، مخصوصة بما يحصل من التعدي على الأبدان.
وسموا الجناية على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة، وجناية واتلافًا٣.
وذكر فقهاء الشافعية أن الجناية أعم من أن تكون قتلًا، أو قطعًا أو جرحًا، فهي تشمل الجنايات على الأموال والأعراض، والأنساب والعقول والأديان٤.
أما ابن رشد فقد ذهب إلى أن الجنايات التي لها حدود مشروعة هي ما يأتي:
_________________
(١) ١ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج٦ ص٩٧ البحر الرائق "لابن نجيم ج٨ ص٣٢٧ ط دار المعرفة بيروت. ٢ كشاف القناع ج٣ ص٣٣٢. ٣ المغني ج٧ ص٦٢٥ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٦٠-٢٦ ط دار الفكر العربي. ٤ حاشية الباجوري ج٢ ص٥٢٤ ط الحلبي.
[ ٢٦ ]
١- جنايات على الأبدان والنفوس، والأعضاء وأشار إليها بما يسمى قتلًا وجرحًا.
٢- جنايات على الفروج، وهي المسماة زنا وسفاحًا.
٣- جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذًا بحرب سمى حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغيًا، وما كان منها مأخوذًا على وجه المغافصة١ من حرز يسمى سرقة، وما كان منها يعلو مرتبة، وقوة سلطان سمي غصبًا.
٤- جنايات على الأعراض، وهي المسماة قذفًا.
٥- جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الله من المأكولات والمشروبات، وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط٢.
وابن رشد لم يذكر ضمن ما ذكره من الجنايات ما يقع من جنايات على الدين، والعقيدة كما ذكر فقهاء الشافعية.
واقتصار ابن رشد على ما ذكر هنا ناتج من أنه يتكلم عن الجنايات التي لها حدود مشروعة.
ويبين من هذه التعريفات مدى ما بين الجريمة، والجناية من تطابق، واتفاق عند بعض الفقهاء إلى الحد الذي أصبح به اللفظان عندهم يرادف كل منهما الآخر.
ومن هنا كان إطلاقي لفظ الجريمة في مختلف الموضوعات على كل ما هو مأثم شرعًا خصوصًا، أما جمهور فقهاء الحنابلة، ومن وافقهم فقد
_________________
(١) ١ المغافصة المفاجأة والأخذ على غرة، المنجد مادة غفص. ٢ بداية المجتهد ونهاية المقصد لابن رشد ج٢ ص٤٢٦-٤٢٧ ط مكتبة الكليات الأزهرية.
[ ٢٧ ]
خصوا الجناية يما يقع على الأموال من غصب، وسرقة إتلاف، وخصوا الجريمة بما يقع من تعد على الأبدان.
أما شراح القانون الوضعي، فإنهم قد قسموا الجريمة إلى جناية وجنحة، ومخالفة الأمر الذي يترتب عليه تخصيص نوع من الجرائم لا يجوز إطلاق جناية عليها عند فقهاء القانون، إذ أنهم قد عرفوا الجريمة بأنها: الفعل أو الترك الذي نص القانون على عقوبة مقررة له، أو أنها: سلوك غير مشروع سواء أكان فعلًا أم امتناعا يمكن إسناده لمرتكبه، ويقرر له القانون عقوبة أو تدبيرًا احترازيًا، وخصوا الجناية من ذلك بأنها ما كان معاقبًا عليه بعقوبات الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة كانت أو مؤقتة، أو السجن، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة من قانون العقوبات، كما أطلقوا على الفعل أو الترك جنحة إذا كان معاقبًا عليه بعقوبة الحبس التي تزيد على أسبوع، أو بالغرامة التي تزيد على جنيه مصري "المادة ١١"، فإذا لم يزد الحبس على أسبوع، أو لم تزد الغرامة على جنيه مصري كان الفعل، أو الترك حنيئذ مخالفة طبقًا لما نصت عليه المادة "١٢" من قانون العقوبات١.
ويتبين من هذا أن القانونيين يطلقون على السلوك غير المشروع جناية إذا كانت العقوبة المقررة له هي الإعدام، أو الأشغال الشاقة مؤبدة كانت، أو مؤقتة أو السجن.
_________________
(١) ١ شرح قانون العقوبات القسم العام لكل من أ. د. محمود مصطفى ص٣٥ ط ١٩٧٤م أ. د. محمود نجيب حسني ص٤٥ سنة ١٩٧٧م، أ. د. أحمد الألفي ص٤٠، ٤٩ ط ١٩٧٧م أ. د. فتحي سرور ١٤٣، التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر عوده ط ص٦٨.
[ ٢٨ ]
أما جمهور فقهاء الشريعة، فإن الجناية عنةدهم تطلق على كل ما جرم من سلوك فعلًا كان، أو امتناعًا ما دام الإثم قد لزم من قام به حتى ولو لم يترتب على هذا الإثم عقوبة من العقوبات الدنيوية، ومن هنا جاء قول الفقهاء: الجناية على الحج والجناية على الصيام، إلى غير ذلك من العبادات.
فالجناية هنا بإطلاقها العام تشمل كل ما جرم، بصرف النظر عما يلزم به من وقع منه هذا السلوك.
مع ملاحظة أن الشريعة الإسلامي قد نصت على عقوبات جرائم معينة وحددتها، وتركت تحديد عقوبات باقي الجرائم لولي الأمر الذي يعالج ذلك بما يتفق، وهدف المشروع وغايته.
ونظرًا لما يعتري المجتمع من ظروف، ومتغيرات لزم ولي الأمر دوام النظر في معالجة ذلك بما يحقق المصلحة التي استهدفهًا المشروع الحكيم.
[ ٢٩ ]