المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد
هناك قاعدة فقهية أعملها جمهور الفقهاء في المجال العقابي هي: درء الحدود بالشبهات، وتتصل هذه القاعدة بما سبقها من قاعدة تقضي بأن اليقين لا يزال بالشك، وبأن الأصل براءة الذمة.
هاتان القاعدتان اللتان قررتهما الشريعة الإسلامية، وألزمت قضاتها بهما وطبقتهما على كل الأحكام دينية أو تكليفية، وفي ما يتصل بحقوق الغير مدنية كانت هذه الحقوق، أو جنائية وتعني قاعدة درء الحدود بالشبهات أنه متى وجدت شبهة لدى القاضي، ترتب عليها عدم قيام ركن من أركان الجريمة بالصورة التي حددتها الشريعة الإسلامية، أو شابه إثبات الجريمة شي ترتب عليه عدم اكتمال اليقين لدى القاضي بأن الجريمة قد وضعت ممن مثل أمامه للمحاكمة..
فإن وجدت شبهة من ذلك، ومما يعتد به عند الفقهاء، لم يصبح في إمكان القاضي الحكم بالعقوبة الحدية بالنسبة لهذه الجريمة التي خالط أحد أركانها، أو دليل إثباتها شيء من ذلك، فوجود الشبهة إذا قدر درأ الحد
[ ٢٦٣ ]
عن الجاني، سواء ترتب على درء الحد هذا تبرئه المدعى عليه، ونجاته من العقوبة مطلقًا، أو إلزامه بعقوبة تعزيرية أخرى، تتناسب مع ما وقع منه من أفعال لم تصل إلى حد الجريمة الحدية بالصورة التي حددها الفقه الإسلامي، فمن لم تقم البينة على ارتكابه الجريمة الحدية بالصورة التي يقتنع معها القاضي، ويصل اقتناعه حد اليقين بأن الشخص الماثل أمامه، قد ارتكب الجناية الحدية التي أقيمت بينتها عليه، لم تلزم هذا المدعى عليه عقوبة الجناية الحدية المدعى عليه بها، ووجبت تبرئته من هذه الجناية؛ لأن الأصل فيه البراءة.
أما من وقعت منه كجريمة قذف مثلًا، وتخلف شرط الإحصان في المقذوف.
أو من وقعت منه جريمة سرقة، وتخلف شرط الحرز بالصورة التي اشترطت لإقامة الحد، فإن الجاني في هاتين الجريمتين لا يلزم بالعقوبة الحدية لتخلف شرط قيسام الجريمة الحدية، أو ألزم بغيرها من العقوبات التعزيرية التي يراها القاضي مناسبة لما وقع من جريمة، لم تتوفر فيها شروط الجريمة الحدية.
وقاعدة درء الحدود بالشبهات هذه من القواعد التشريعية التي أوردها المحدثون عن رسول الله -ﷺ، بروايات متعددة في مسائل كثيرة وقعت في أوقات مختلفة، كما سيأتي أقر الصحابة الأجلاء هذه القاعدة، وأعملوها في ما عرض عليهم من قضايا سيأتي الحديث عنها.
وقد أجمع جمهور الفقهاء على أعمال هذه الفقهاء عدا بن حزم، ومن وافقه من الذين عارضوا الأخذ بهذا المبدأ، وإن كانوا قد عادوا إلى الأخذ بما يحقق ما يهدف إليه الفقهاء من أعمالهم، قاعدة درء الحدود بالشبهات.
[ ٢٦٤ ]
فقد رأى ابن حزم أن الحدود لا يجوز أن تقام بشبهة، ولا أن تدرء بشبهة.
وهو في الشق الأول من قوله هذا، قد وافق عليه ما عليه الفقهاء جميعًا موافقة صريحة لا يختلف عليها أحد.
وفي الشق الثاني من مقالته هذه، وإن لم يوافق ما عليه جمهور الفقهاء موافقة صريحة، إلا أن الشق الأول من مقالته ما يفيد أن الحدود تدرء بالشبهات؛ لأنها ما دامت لا تقام بشبهة، فإنها لا بد من أن تقام على أساس من اليقين الذي لا يشوبه شك، فإذا تطرق الشك لم يبق هذا اليقين، وحلت الشبهة محله، وبذا تنتفي العقوبة الحدية، ويتحقق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من انتفاء الحد بوجود الشبهة.
وفيما يأتي عرض لأدلة من يعمل هذه القاعدة، ولأدلة من ينفيها ولا يأخذ بها، يبين منه الرأي الذي انتهى إليه البحث وأقره.
[ ٢٦٥ ]