المبحث الثاني: الشهادة
ويشتمل لي تقديم ومطلبين.
المطلب الأول: شروط في الشاهد.
المطلب الثاني: شروط في الشهادة.
تقديم:
تعريف الشهادة:
الشهادة في اللغة: البيان؛ لأن الشاهد يبين الحق من الباطل عند الحاكم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١، أي بين.
والشهادة مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخقبر عما شاهده أو؛ لأن الشاهد بإخباره الحاكم بما شاهد ورأى، يجعل الحاكم كالمشاهد الذي يرى المشهود عليه٢.
والشهادة عند الفقهاء: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه، أو إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، وزاد البعض شروط كون الإخبار ناتجًا عن مشاهدة، وعيان لا عن تخمين وحسبان٣.
_________________
(١) ١ من الآية ١٨ من سورة آل عمران. ٢ المصباح المنير والقاموس المحيط، ولسان العرب. ٣ فتح القدير ج٧ ص٣٦٤، البحر الرائق ج٧ ص٥٥-٥٦ حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٤، الخرشي ج٧ ص١٧٥، المغني ج٩ ص٤٩.
[ ٤٠٧ ]
وهذه التعريفات، وإن تعددت إلا أنها متفقة في مؤداها ومدلولها، كما أن شروط المعاينة بالنسبة لمن يتحمل الشهادة يشمل المشاهدة بصورها من سماع في المسموعات، أو إبصار في المبصرات، وهو شرط جوهري، إذا لا يمكن أن تتحمل الشهادة التي يحكم بمقتضاها، إلا عن علم ناتج عن حضور ومعاينة؛ لأن الله تعالى قد نهى عن القول بدون علم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فإن لم تكن الشهادة ناتجة عن علم، ويقين فهي باطلة، ومحاسب عليها.
ولقد جسد الرسول -ﷺ- ذلك، حين قال لرجل: "أترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها، فاشهد أودع" ٣.
حجية الشهادة:
أولًا: بين القرآن الكريم ما تثبت به الحقوق من بينات، وجعل منها الشهادة، فيقول الله ﷾: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٤ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ٥.
ثانيًا: قال رسول الله -ﷺ- لمن جاءه يشكو رجلًا
_________________
(١) ١ من الآية ٣٦ من سورة الإسراء. ٢ من الآية ٨٦ من سورة الزخرف. ٣ رواه ابن عباس، سبل السلام للصنعاني ج٤ ص١٣٠. نصب الراية للزيلعي ج٤ ص١٢، القرطبي ج٧ ص٥٩٤٣. ٤ من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة. ٥ من الآية ٢ من سورة الطلاق.
[ ٤٠٨ ]
غلبه على أرض كانت له: "ألك بينة"؟ ١ كما قال رسول الله -ﷺ- لمن جاءوا من الأنصار يطالبون بدم من قتل منهم بخيبر: "ألكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم"؟ ٢.
ثالثًا: الإجماع معقود على حجية الشهادة في الإثبات.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، والترمذي، وصححه، نيل الأوطار ج٨ ص٣٤١، المغني ج٩ ص١٤٦. ٢ رواه أبو داود، نيل الأوطار ج٧ ص٣٧.
[ ٤٠٩ ]