ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن من استأجر امرأة ليزني بها، ثم فعل بها ما استأجرها من أجله، فإنه لا حد عليه.
لأنه قد استوفى منها ما استأجرها من أجله، والإجارة عقد تقوم به الشبهة عنده، ويترتب على قيام هذه الشبهة درء العقوبة الحدية.
واستدل الإمام أبو حنيفة لذلك، بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه- من أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر -رضي الله تعالى عنه- الحد عنهما.
وبأن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال: هذا مهرها.
ويعلق الإمام أبو حنيفة على هذا بقوله: ولا يجوز أن يقال: إنما درأ الحد عنها؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه.
وهذا المعنى غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالًا ذكرنا في الحديث الثاني، مع أنه علل نقل: أن هذا مهر، ومعنى هذا أن المهر، والأجر يتقاربان١.
أما جمهور الفقهاء، فإنهم لم يرتضوا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وألزموا من استأجر امرأة ليزني بها، وفعل بها ما استأجرها له العقوبة الحدية.
وذلك؛ لأن عقد الإجارة لا يستباح به البضع، فصار كما لو استأجرها للطبخ ونحوه من الأعمال، قال أبو حنيفة: لو استأجرها لمثل هذه الأعمال، وزنى بها لزمه الحد.
فعقد الإجارة لا أثر له في استباحه ذلك، ولا يورث شبهة، فصار كما لو اشترى خمرًا فشربها.
ولأن محل الاستئجار منفعة لها حكم المالية، والمستوفي بالوطء
_________________
(١) ١ المبسوط ج٩ ص٥٨، فتح القدير ج٥ ص٢٦٢.
[ ٤٩٢ ]
ليس بمال أصلًا، والعقد بدون محله لا ينعقد أصلًا، فإذا لم ينعقد به كان هو والإذن سواء، ولو زنى بها بإذنها يلزمه الحد.
وذهب ابن حزم إلى أن جرم المستأجرة للزنى، ومن استأجرها، وزنى بها أعظم من جرم من زنى بامرأة لم يستأجرها لذلك، فقال: "وحد الزنى وجب على المستأجر والمستأجرة، بل جرمهما أعظم من جرم الزاني، والزانية بغير استئجار؛ لأن المستأجر والمستأجرة زنيا كما زنى غير المستأجر ولا فرق، وزاد المستأجر والمستأجرة على سائر الزنى حراما آخر -وهو أكل المال بالباطل"٢، وما ذهب إليه الجمهور أولى، ولا يجوز القول بأن ما أخذته المستأجرة من مال يماثل ما تأخذه من مهر في النكاح الصحيح بجامع أن المهر، والأجرة يتقاربان؛ لأن الله ﷾ أطلق على المهر أجرًا، في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٣؛ لأن الفرق بينهما واضح أحل الله الزواج، وأوجب المهر فيه وحرم الزنا، ولو كان على مال.
والمهر أجر مشروع في ظل نكاح حلال أباحه الله، ورغب فيه وحض عليه الرسول -ﷺ- بينما الزنا حرمه الله، ونهى عنه وبغض فيه، وحدد له عقوبة من العقبات -الشديدة الرادعة.
وأما الاستدلال بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه، فهو استدلال بما لا دليل فيه؛ لأنه لم يذكر ما فعل عمر بالرجل،
_________________
(١) ١ المرجعان السابقان، المهذب ج٢ ص٢٦٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦، الخرشي ج٨ ص٨٧ المغني ج٨ ص١٨٧. ٢ المحلى ج١٣ ص٢٢٥. ٣ من الآية ٢٤ من سورة النساء.
[ ٤٩٣ ]
هل أقام عليه الحد أم لا، فإن قبل لم يقم عليه الحد، فلجواز عدم توافر البينة عليه؛ لأن ما قالته المرأة غير ملزم الرجل بالحد.
ما لم تتم عليه بينة؛ لأن رسول الله -ﷺ- قد جاءه رجل مقرًا بأنه زنى بفلانة، فلما سألها الرسول -ﷺ- أنكرت ما قاله الرجل، فلم يقم الرسول -ﷺ- الحد عليه١.
أما عدم إقامة عمر الحد على المرأة، فلجواز أنه رأى أنها كانت مضطرة، وبذا تصبح في حكم المكرهة التي لا حد عليها.
وهذا ما جاء عن ابن قدامة بما رواه من أن عمر سأل عليًا -رضي الله تعالى عنهما- في شأن هذه المرأة، فقال علي: إنها مضطرة٢.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ج٧ ص١١٩. ٢ المغني ج٨ ص١٨٧.
[ ٤٩٤ ]