الشورى: اصطلاحًا طلب الرأي من أهله، وإجالة النظر فيه، وصولًا إلى الرأي الموافق للصواب.
وقد عرفها الباحثون بتعاريف عدة ومنها تعريف الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس، إذ يقول: الشورى: تعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة في قضية من القضايا واختبارها من أصحاب العقول والأفهام حتى يتوصل إلى الصواب منها أو إلى أصوبها وأحسنها ليعمل به لكي تتحقق أحسن النتائج. (٢)
أما الشيخ أحمد محيي الدين العجوز - فعرفها بقوله:
الشورى: هي تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به. (٣)
وعرفت الشورى بأنها: استنباط المرء رأيًا فيما يعرض له من الأمور والمشكلات، وهذا التعريف يدخل فيه التشاور في كل ما يعرض من المشاكل بين الأسرة، كما في حق فطام الطفل الرضيع إذ يقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) (٤)، ويستفاد من النص ضرورة التشاور (٥).
_________________
(١) - لسان العرب ٤/ ٤٣٧ مصدر سابق.
(٢) - د. محمد أبو فارس: النظام السياسي في الإسلام ٧٩ مصدر سابق.
(٣) - الشيخ أحمد محيي الدين العجوز: مناهج الشريعة الإسلامية ٢/ ١٢٨ مكتبة المعارف - بيروت ١٤٠١هـ ١٩٨١م.
(٤) - سورة البقرة، آية (٢٣٣).
(٥) - ذكره المؤلف حسين بن محمد المهدي في مؤلفه الموسوم بحقوق الإنسان في السنة النبوية ص٤٨٦ الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ.
[ ٢٨ ]
وعرّف الشورى الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد بأنها: تبادل الرأي بين المتشاورين من أجل استخلاص الصواب من الرأي، والأنجع من الحلول، والسديد من القرارات (١)
وعرفها الدكتور هاني الطعيمات قائلًا: الشورى استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في أمر من الأمور العامة المتعلقة بها بهدف التوصل فيها إلى الرأي الأقرب إلى الصواب الموافق لأحكام الشرع تمهيدًا لاتخاذ القرار المناسب في موضوعه. (٢)
وهذا التعريف من أدق التعاريف فيما يتعلق بالشورى العامة، وهناك من الباحثين من أضفى على الشورى وصف الإيمانية ثم عرفها بناءً على ذلك فقال:
الشورى الإيمانية: هي التعاون في تبادل الرأي ومداولته في أمر من أمور المؤمن أو الجماعة المؤمنة أو الأمة المؤمنة على نهج أو أسلوب وأسس وقواعدَ تحقق أهدافًا وغايات تجتمع كلها لتبحث عن الحق أو ما هو أقرب إليه طاعة وعبادة، ويكون النهج والأسلوب والقواعد والأهداف والغايات كلها ربانية يحددها منهاج الله. (٣)
وهذه التعاريف تدور كلها حول استنباط الرأي واستخراجه من أجل تحقيق هذه الغاية التي تحقق للأمة المؤمنة ما ينصلح به حالها ويستقيم به نظام الفرد والمجتمع والدولة، فالشورى ليست إلا جزءًا من منهاج الله الذي لا تستقيم أمور الناس بدونه، والذي جاء ليعالج واقع الإنسانية في شتى مجالات الحياة، وبممارسة الشورى يكون الإنسان قد أدى مسؤوليته وأمانته التي يحاسب عليها في الدنيا والآخرة، ومن العلماء من يرى أن الشورى تكون عامة في كل رأي والمشورة تكون خاصة في الرأي الملزم، وأن هناك فرقًا بين الشورى والمشورة، وفي ذلك يقول الدكتور محمود الخالدي: إذا ما نظرنا بدقة في
_________________
(١) - انظر مقدمة (الشورى في الإسلام رؤية نيابية) للدكتور صالح بن حميد رئس مجلس الشورى السعودي وإمام وخطيب المسجد الحرام ص١
(٢) - د. هاني سليمان الطعيمات: حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ٢٢٥ الطبعة الأولى سنة ٢٠٠١م- دار الشروق للنشر والتوزيع - بيروت.
(٣) - د. عدنان علي رضا النحوي: الشورى وممارستها الإيمانية ٢٤ الطبعة الثالثة ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م - دار النحوي للنشر والتوزيع. الرياض - المملكة العربية السعودية.
[ ٢٩ ]
النصوص التفصيلية الواردة في الشورى نجد أن مدلول كلمة الشورى يختلف عن مدلول كلمة المشورة إذ تعني الشورى أخذ الرأي مطلقًا، ما كان ملزمًا لرئيس الدولة وما لم يكن ملزمًا، سواءً الذي يرجح فيه قوة الدليل كالأمور التشريعية وما يرجح فيه جانب الصواب كالأمور الفنية والفكرية فجاء التعبير فيها عامًا في كل الأمور.
أما المشورة فإنها وردت في النصوص على أنها أخذ الرأي الملزم لرئيس الدولة فقط، والدليل على أن المشورة أخص من الشورى وأنها أخذ الرأي الملزم فقط عدة أمور:
أولًا: وردت كلمة المشورة في الحديث للدلالة على أخذ الرأي الملزم فقط وذلك في قوله ﵌ لأبي بكر وعمر ﵄: (وأيم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدًا)، وفي لفظ: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) (١) فقد اقترنت كلمة المشورة بصفة الإلزام والصيغة تفيد ذلك، وهذا واضح في قوله ﵌ (ما خالفتكما) (ما عصيتكما)، ومن مناسبة الحديث يتضح أن المشورة لا تكون إلا في أخذ الرأي على سبيل الإلزام لأنه رأي يرشد إلى عمل من الأعمال من أجل القيام به، وما كان كذلك كان ملزمًا لأن الترجيح إنما يكون لرأي الأغلبية فتكون المشورة أخص من الشورى لأنها في الرأي الملزم فقط.
ثانيًا: إن كلمة المشورة الواردة في الحديث وإن كانت اسم جنس ولكنها لا تدل على العموم لأن اسم الجنس حتى يدل على العموم لا بد أن يقترن بأل أو يضاف، فإذا لم يقترن بأل ولم يضف فلا يدل على العموم، وهي وإن كانت نكرة ولكنها لا تدل على العموم لأن النكرة لا تدل على العموم إلا إذا اقترنت بنفي فالنكرة في سياق النفي تعم أما في الإثبات فليست من ألفاظ العموم، فلا يكون الدليل عامًا في كل شورى فيكون الحديث نصًا في موضوع من موضوعات الشورى العامة، وهو الرأي الملزم ويرجح فيه جانب الأكثرية فقط، وكذلك ما قاله الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعد إتمام بيعة الانعقاد للصديق أبي بكر ﵁: فلا يغرن امرأ أن يقول أن بيعة أبي
_________________
(١) - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، مسند الشاميين، رقم الحديث (١٧٩٩٠و١٧٣٠٩) - طبعة بيت الأفكار الدولية ٢٠٠٤م.
[ ٣٠ ]
بكر ﵁ كانت فلتة فتمت، وأنها وإن كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر فمن بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو، ولا الذي بايعه. (١)
وقد ظل هذا الفهم الشرعي لواقع المشورة وأنها أخذ الرأي الملزم فقط عند المسلمين بعد ذلك فإن الخليفة عمر بن عبدالعزيز ﵀ لما ولي الخلافة خطب في المسلمين قائلًا: (أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم) ومن يدقق في هذه النصوص يجد أن لفظ المشورة قد اقترن بالرأي الذي يرشد إلى عمل من أجل القيام به والذي لا بد أن يرجع فيه للمسلمين، وأن المرجح فيه إنما هو رأي الأغلبية، فانتخاب رئيس الدولة والقيام بعمل التاريخ الهجري، إنما ذلك من قبيل أخذ المشورة التي جرت يوم أحد، فهي أخذ الرأي على سبيل الإلزام، وقد درج العلماء في كتبهم على إطلاق لفظ المشورة على الشورى التي يكون الرأي من أجل القيام بعمل من الأعمال، أي على سبيل الإلزام، فقد وضع ابن هشام في السيرة عنوانًا للشورى التي جرت يوم أحد (مشاورة الرسول القوم في الخروج أو البقاء (٢)، ونفس الأمر يفهم من عبارة الإمام الشافعي في قوله: (في المشاورة رضا الخصم والحجة عليه) (٣)، فقد جعل الحجة في المشورة ونص عليها ولم يقل في الشورى، وقد وضّح ذلك كثير من العلماء إذ أطلقوا لفظ المشورة على أخذ الرأي على سبيل الإلزام فقط فتكون الشورى عامة في كل رأي، والمشورة خاصة في الرأي الملزم الذي يجب على رئيس الدولة أن يلتزم به (٤). أما الديمقراطية فهي ما نأتي على بيانه.
_________________
(١) - السيرة النبوية لابن هشام - حققها وضبطها ووضع فهارسها مصطفى السقا وإبراهيم الأنباري وعبدالحفيظ شلبي - الناشر دار إحياء التراث- بيروت - ج٤ - ص ٣٠٨.
(٢) - السيرة النبوية لابن هشام ج٣ - ص ٦٧.
(٣) - الأم ج٧ - ص ٨٦.
(٤) - نظام الشورى في الإسلام - تأليف الدكتور عمر الخالدي - مكتبة الرسالة الحديثة - عمان الأردن - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ.
[ ٣١ ]
الديمقراطية:
الديمقراطية كلمة معربة عن اللغة اليونانية وأصل الكلمة فيها مكونة من لفظين: الأول (ديمو) ويعني الشعب، والثاني (كراتوس) ويعني السلطة أي سلطة الشعب، وبمعنى آخر فإن الديمقراطية بمفهومها الأساسي تعني حكم الشعب لنفسه دون أن تستأثر طبقة أو جماعة أو فرد بهذا الحكم ومن دون أن يصبح كل أفراد الشعب حكامًا، فيصبحوا بحاجة عندئذ إلى شعوب يحكمونها. (١)
وبهذا التعريف تأتي الديمقراطية رديفة للشورى في بعض الوجوه من حيث إعطاء حق المشاركة للشعوب في صناعة القرار وإدارة شؤون الحكم، عدا أن الشورى نظام تميزت به الشريعة الإسلامية باعتباره جزءًا من العقيدة، بينما الديمقراطية نظام وضعي أي من وضع الإنسان فهي نظام سياسي إجتماعي غربي النشأة عرفه الغرب من الحقبة اليونانية ودخل عليه تطوير في الحضارة المعاصرة كما أنها تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من منطلق مبدء المساواة بين المواطنين، ومنح حق المشاركة في صنع التشريعات، وسن القوانين التي تنظم الحياة العامة وفق مبدء أن الشعب مصدر السلطات، فالسلطة في النظام الديموقراطي، هي للشعب بواسطة الشعب أما الشورى الإسلامية فهي صورة من صور المشاركة في الحكم تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره، وهي من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام،بل إن بعض الباحثين يرى أن الشورى هي النظام السياسي ذاتة، وليس واحدًا من مبادئه، أو قاعدة من قواعده، نظرًا لما يترتب على الشورى في المنظور الإسلامي من بيان العلاقة بين الحاكم وأهل الشورى، والتزام الدولة بالقواعد المشروعة (٢).
_________________
(١) - د. هاني سليمان الطعيمات: حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ص٢٤٩ الطبعة العربية الأولى ٢٠٠١م. دار الشروق للنشر والتوزيع.
(٢) -الشورى في الإسلام - رؤية نيابية- تجربة المملكة العربية السعودية ص٣.
[ ٣٢ ]