جاء في سورة الشورى تعدد صفات أهل الإيمان والصدق والإخلاص والتسامح وكرم الأخلاق وأهل الشورى والرأي. قال تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (١).
فإذًا لا بد من أخذ هذه الآيات كمنظومة متكاملة، أي أنه ينبغي أن يكون أهل الشورى من أهل الإيمان بالله والتوكل عليه وأن يكونوا ممن يجتنب إتيان كبائر الإثم والفواحش، أي
_________________
(١) - الآيات ٣٦ - ٣٩ من سورة الشورى.
[ ١٨٩ ]
أنه لا بد أن يكون حسن السيرة والسلوك مجتنبًا لما نهى الله ورسوله عنه من الكبائر، صفته التسامح والاستجابة لله ﷿ والمحافظة على الشعائر الدينية، ويلاحظ أنه قد ورد في النص القرآني (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) أي كانوا سريعين في الاستجابة لأوامره ونواهيه، وأنها قد جاءت الصيغة في الاستجابة وإقامة الصلاة والإنفاق فِعْليَّه، ثم أتى في ثناياها بصفة الشورى بجملة إسميّة مما يفيد ثبوت هذه الصفة لهم في كل أحوالهم، وهذا إشعار رباني لطيف يشير إلى أهمية وجلالة شأن أمر الشورى. أما سورة آل عمران التي نزلت بعد غزوة أحد فإن النص القرآني جاء ليخاطب الله المؤمنين فيه خطابًا مباشرًا حيث يقول الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أو كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ* فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١)، والنص يخاطب الرسول ﵌ بمشاورة المؤمنين بعد أن أمره بالعفو عنهم والاستغفار لهم، ونقل أبو حيان والقرطبي عن ابن عطية أنه أُمر بالعفو عنهم فيما يخصه، فإذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستغفار في مالله، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور، قال أبو حيان ولا يظهر هذا التدريج في اللفظ ولكن هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض، أمر أولًا بالعفو عنهم إذ عفوه عنهم مسقط لحقه ودليل على رضاه ﵌ عليهم وعدم مؤاخذته، ولمّا سقط حقه بعفوه استغفر لهم الله ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم ويحصل لهم رضاه ﵌ ورضا الله تعالى. ولما زالت عنهم التبعات في
_________________
(١) - الآيات ١٥٦ - ١٦٠ من سورة آل عمران.
[ ١٩٠ ]
الجانبين شاورهم إيذانًا بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة، إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقدًا فيه المودة والعقل والتجربة. (١)
قلت ويستفاد من الآية أنه ينبغي أن يكون من صفات المستشار أن يكون أمينًا محبًا صادقًا مؤمنًا، إذ العدو لا يستشار، ومخالفة المشير لولي الأمر اجتهادًا أو ظنًا للصواب في تلك المخالفة لا يقتضي حصول عداوة مانعة من الاستشارة ولا يقتضي الحقد على المخالف أو العزيمة على عدم مشاورته أو عدم مشاركته بالرأي في أمور الأمة إذا كان من أهل الرأي، ولهذا أمر الله رسوله بالعفو عن الصحابة فيما أخطؤوا فيه من مخالفته لأوامر الرسول ﵌ يوم أحد ومسارعتهم إلى الغنيمة واختلافهم في الرأي مع أمرهم بالبقاء في جبل الرماة وأمره أن يستغفر لهم، لأن مخالفة النبي ومخالفة الأمير معصية لله لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢). وقد حذر الله المؤمنين من مخالفة الله ورسوله كما أن أصحاب الرأي يجب عليهم ألا يشيروا إلا بما فيه طاعة لله ورسوله وصلاح لشؤون الأمة، ألا ترى أن الحق ﷾ يقول في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٣)، وهي عامة في الرأي وغيره من الأمانات، وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية أن أبا لبابة لما استشاره يهود قريظة فأشار عليهم بما فيه مصلحتهم شعر فورًا بهذه الفلتة الخاطئة ثم تاب منها وقبلت توبته (٤). ففي ذلك ما يفيد أن الشورى أمانة، وإنما شرعت لجلب المصالح المشروعة للمسلمين وصرف الأضرار والمحرمات عنهم لا أن تستخدم آراء المسلمين في إعانة عدوهم عليهم أو في إباحة
_________________
(١) - انظر التفسير الكبير المسمى البحر المبسط. تأليف أثير الدين أبي عبدالله محمد يوسف علي بن حيان الأندلسي القرطبي الحياني الشهير بأبي حيان. وبهامشه النهر الماد من البحر، وكتابه الدرر اللقيط من البحر المحيط ج٣ - ص٩٩. الطبعة الثانية - الناشر دار إحياء التراث العربي ١٤١١هـ - ١٩٩٩م.
(٢) - الآية ٥٩ من سورة النساء.
(٣) - الآية ٢٧ من سورة الأنفال.
(٤) - انظر الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية في جامع البيان عن تأويل آي القرآن ج٧ - ص٤٨١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج٧ - ص٣٩٤.
[ ١٩٢ ]
المحرمات وانتهاك الحرمات، كما أنه يجب على ولاة الأمور أن يكونوا أصحاب عفو وصفح فيما قد يحصل من خطءٍ عليهم وأن لا يقاطعوا أصحاب الرأي من أهل الإيمان حتى وإن أخطؤوا، بل يجب التجاوز عنهم باعتبار أن أهل الشورى هم أهل أمانات، وقد أمر الله في سورة النساء بأداء الأمانات إلى أهلها فقال جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) (١) وإذا ما عدنا إلى سورة آل عمران نجد أن الحق سبحانه بعد أن أمر رسوله بالمشاورة قال: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) فقد أمر الله جل وعلا رسوله وولي الأمر من بعده أن يتوكل على الله وأزجى إثر ذلك دعوة حارة للجميع في الدخول في محبة الله فقال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
قال الإمام الفخر الرازي أن القوم لما انهزموا عن النبي ﵌ يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول ﵌ بالتغليظ والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه ﵌ لما أرشدهم إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم كان من جملة ذاك أن عفا عنهم وذكر عدة فوائد في مشاورتهم فقال إن مشاورة الرسول ﵌ توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفضاضة. (٢)
قلت وهكذا ينبغي أن يكون ولاة الأمر حينما يشاورون أهل الرأي من المؤمنين حتى وإن أخطؤوا فإن ذلك يكون سببًا لمحبتهم، وقد دل الأمر لرسول الله صلى الله عليه وآلع وسلم بمشاورتهم أن للمؤمنين عند الله قدرًا وقيمة ومكانة حتى وإن أخطؤوا وكذلك عند الناس، وفيه دلالة أيضًا على أن من يحصل منه الخطأ مرة لا يمكن أن تكون القاعدة أن كل آرائه تكون خطأ.
_________________
(١) - الآية ٥٨ من سورة النساء.
(٢) - انظر مفاتيح الغيب للإمام الكبير محمد عمر حسين التميمي البكري الشافعي الرازي ج٩ - ص٥٦ - المكتبة التوفيقية - القاهرة.
[ ١٩٣ ]
ومع ذلك فإن الإستشارة إنما تكون بقصد تحري الصواب والوصول إليه، فقد شرعت لجلب المصالح ودفع الضرر، أما الاعتماد فإنما هو على الله وحده فهو الموفق والهادي، وقد قال الفخر الرازي في قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد من المشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه بل يجب أن يكون الاعتماد على أعانه الله وتسديده وعصمته، وقد دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيًا للأمر بالتوكل بل التوكل أن يرعى الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحق. (١)
وذكر العلامة الألوسي أن الله تعالى أمر نبيه وكذا ولي الأمر من بعده وكل مستشير بالتوكل عليه والإنقطاع إليه، لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاجات إلا عند بابه. (٢)
والذي يستفاد من القرآن الكريم ومن خلال ما أشرنا إليه نقلًا عن العلماء في تفسير الآيات القرآنية أنه ينبغي أن تتوافر في المشير أو أهل الشورى الصفات الآتية:
١) أن يكون بالغًا راشدًا حسن السيرة والسلوك.
٢) أن يكون المشير من أهل الإيمان بالله والتوكل على الله ﷾ وتلك سجية المؤمن.
٣) أن يكون من أهل الأمانة والنصيحة والرأي والخبرة في الأمر المستشار فيه.
٤) أن يكون من أهل الصدق والحلم والشجاعة في الحق والأناة، وبهذا التطبيق نكون قد علمنا أن أهل الشورى هم نخبة من العلماء وأهل التقوى والصلاح، ولا يعني ذلك المفاضلة بين الناس إلا على أساس من التقوى والعلم والمعرفة.
_________________
(١) - الفخر الرازي ج٩ - ص٥٩.
(٢) - انظر روح المعاني في تفسير القرآن للعلامة الألوسي ج٤ - ص١٠٧.
[ ١٩٤ ]
وفي ذلك رد الأمور إلى أصحاب الخبرة والصلاح والصدق ورد إلى أهل الذكر، فالله ﷾ يقول: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (١)، ويقول: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (٢)، إذًا فهي مسألة تكاملية فلربما تتوافر صفات أهل الشورى فيمن تختارهم الأمة مجتمعين ولا تتوافر الصفات كلها في كل فرد من أفرادهم، فالبحث عن هؤلاء من بين أفراد الأمة ليكونوا أعضاء في مجلس النواب أو مجلس شورى أو هيئة استشارية لمن ينوب عن الأمة هي ضرورة لا بد منها لأن الله يقول: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٣) ولا يعني ذلك حجب الشورى عن بقية الأمة، فالنص القرآني عام في مشاورة الأمة مجتمعة ومنفردة فيمن تتوافر فيهم الأهلية والصلاحية، فالواجب الشرعي يقتضي تشكيل مجلس شورى يضم ممثلين عن الأمة يتشاورون في شؤونها العامة وأمورها الهامة عملًا بالنص القرآني (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وسواءً كان ذلك عن طريق الانتخاب كما هو جوهر النظام الشوروي أو عن طريق الاختيار وصدور القرار بتعيين هؤلاء، لأنه ينبغي في كل الأحوال أن تعتمد الأمة وولاة الأمر فيها على الشورى في تسيير أمور شؤون الحكم وغيرها إذا ما أرادوا السير على منهج الله، وأن يعتمدوا أخذ الرأي من أصحاب العلم والخبرة في شؤون الدولة كلها ويتشاور معهم في المسائل المعروضة، وهي بلا شك تحتاج إلى أنواع من المعرفة كما سبق أن أشرنا إلى أنه يستشار علماء الدين في شؤون الدين والأحكام والحلال والحرام والمهندسون في شؤون العمران والهندسة، وعلماء الصناعة وخبراؤها في شؤون الصناعة، وعلماء التجارة وخبراؤها في شؤون التجارة، وعلماء الزراعة وخبراؤها في شؤون الزراعة، ولكن ينبغي أن يكون علماء الدين القاسم المشترك في كل هذه الفنون حتى لا يخرج المستشارون في تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة وآدابها.
_________________
(١) - الآية ٤٣ من سورة النحل.
(٢) - الآية ٥٩ من سورة الفرقان.
(٣) - الآية ٨٣ من سورة النساء.
[ ١٩٥ ]