لقد كان الرسول ﵌ حريصًا على مشاورة أصحابه حربًا وسلمًا، وقد قال ابن عباس ﵄ لما نزل قول الله (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) قال رسول الله ﵌: (أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن شاور منهم لم يعدم رشدًا ومن ترك المشورة منهم لم يعدم عناءً) (١) فقد كانت ديدن الرسول ومبدؤه، والقاعدة التي يسير عليها فيما لم يكن فيه وحيٌ من عند الله فقد خرج الرسول ﵌ يريد العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة وقد استعمل غيلة بن عبدالله الليثي على المدينة وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له وفي السيرة النبوية لابن هشام أن رسول الله ﵌ خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتال وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبدالله فيما بلغنا يقول كنا أصحاب الحديبية أربعة عشر مائة حتى إذا كان الرسول ﵌ بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك قد خرجوا معهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى (٣) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم (٤).
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ج ٦ - ص ٧٧. وروي بنحوه في عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ لأحمد بن يوسف الحلبي المعروف بابن السمين مادة غني برقم ٤٠٧ سنة ١٤٠٧هـ. وأورده صاحب صفة البيان لمعاني القرآن الأستاذ حسين محمد مخلوف ص ٣٩٤ طبعة وزارة الأوقاف بالكويت ١٤٠٧هـ. وأورده الأستاذ الدكتور السيد حسن ضياء الدين محمد عنتر في الشورى في ضوء القرآن والسنة ص ٩٤ - الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.
(٢) - العوذ المطافيل: جمع عائذ وهي من الإبل الحديثة النتاج والمطافيل التي معها أولادها. يريد أنهم خرجوا معهم النساء والصبيان.
(٣) - ذي طوى: موضع قريب من مكة.
(٤) - كراع الغميم: موضع بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال كما ورد في معجم البلدان- وانظر السيرة لابن هشام ج٣ - ص ٣٢٣.
[ ١٦٦ ]
وجاء في صحيح البخاري أنه خرج النبي ﵌ عام الحديبية في بضع عشر مائة من أصحابه فلما أتى ذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة وسار النبي ﵌ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه وقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت وما نعوك. فقال النبي ﵌: (أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركنأهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله). (١).
وقد أورد أصحاب السير وكتب الحديث قصة مسير عثمان ﵁ إلى مكة بعد أن أشار على رسول الله ﵌ بذلك عمر ﵁ عند اعتذاره بالذهاب إلى مكة وحدوث إشاعة مقتل عثمان ﵁ وحصول بيعة الرضوان والصلح الذي تم في الحديبية وما كتب فيه (٢)، ونقل الإمام ابن القيم في زاد المعاد أنه لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﵌ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدَنَكَ وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك فنحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. (٣)
_________________
(١) - انظر صحيح البخاري - باب غزوة الحديبية وقول الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة). حديث (٤١٧٨) (٤١٧٩).
(٢) - السيرة النبوية لابن هشام ج٣ - ص٣٢٩ وما بعدها.
(٣) - انظر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية - حقق نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط وعبدالقادر الأرناؤوط - الناشر مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - الطبعة الرابعة عشرة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م - ص ٢٥٩.
[ ١٦٧ ]
ويستفاد مما روت كتب الحديث والسيرة النبوية في هذه القصة:
١) أن الرسول ﵌ قد استشار أصحابه، وأنه أخذ برأي أبي بكر الصديق ﵁ وأنه ﵌ بعد أن بعث عثمان ﵁ إلى مكة وحصلت بيعة الرضوان مال إلى الصلح.
٢) وأن عثمان ﵁ ذهب إلى مكة بناءً على مشورة عمر ﵁ حيث كان النبي ﵌ يريد أن يبتعثه إلى قريش فاعتذر فعذره النبي ﵌ وأخذ بمشورته في بعثه لعثمان.
٣) يستفاد من اعتذار عمر ﵁ في الذهاب إلى مكة عدم رفضه لأمر النبي ﵌ وإنما أبدى وجهة نظر مشفوعة بأدلة مقنعة هو جواز إبداء الرأي في مثل هذه الحال بحرية تامة، وأنه لا ضرر من الإختلاف في وجهات النظر، وأنه لا عيب في أخذ ولي الأمر برأي من خالفه إذا كان في ذلك مصلحة بل هو مشروع غير مذموم.
٤) استشارة الرسول ﵌ لأم سلمة وأخذه برأيها، ويستفاد من هذا أن المرأة إذا كانت ذات رأي حسن فإنه يأخذ برأيها، فقد أخذ الرسول ﵌ بمشورة أم سلمة ﵂ لصواب رأيها في أمر عام.
٥) أن أمر الهدنة والمصالحة التي تمت لم يكن اجتهاديًا وإنما هي تطبيق لأمر جاء من عند الله، فقد حاور عمر ﵁ الرسول ﵌ بشأن الصلح وكان معارضًا، ولكن الأمر لما كان متعلقًا بالوحي وليس أمرًا اجتهاديًا فقد مضى الرسول فيه وهو يقول: يا ابن الخطاب إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه. وفي رواية مسلم فانطلق عمر ولم يصبر متغيظًا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على باطل. قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلأهم في النار. قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل
[ ١٦٨ ]
القرآن على رسول الله ﵌ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو. قال: نعم. فطابت نفسه ورجع. (١)
وقد خصص الإمام ابن القيم في زاد المعاد فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية نلخص منها ونختار الأمور التالية:
أ- أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو.
ب- أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن العين الذي أرسله النبي ﵌ الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم.
ج- استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وأمنًا لعتبهم وتعرفًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض وامتثالًا لأمر الرب في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وقد مدح ﷾ عباده بقوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
د- جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى مصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداءً الطلب منهم.
هـ- أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها.
وأن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولذلك قالت أم سلمة: اخرج ولا تكلم أحدًا حتى تنحر هديك وتحلق رأسك، وعلمت أن الناس سيتابعونه، فإن قيل كيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله ولم يتمثلوه حين أمرهم به قيل هذا هو السبب الذي لأجله ظن من ظن أنهم أخروا الإمتثال طمعًا في النسخ فلما فعل النبي ﵌ ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غير منسوخ، وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيظ عليهم وخرج ولم يكلمهم
_________________
(١) - انظر صحيح مسلم - كتاب الجهاد - باب صلح الحديبية في الحديبية - حديث ١٧٨٥.
[ ١٦٩ ]
وأرأهم أنه بادر إلى امتثال ما أُمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم وأن اتباعهم له وطاعتهم له يوجب اقتدائهم به بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره.
ز- جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وأن لا يرد من ذهب من المسلمين إليهم من غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن ولا سبيل إلى دعوى النسخ من غيره بغير موجب.
ح- أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون الطلب فإن النبي ﵌ لم يرد أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع ولكن لما جاءوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع.
ط- أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحدًا منهم لم يُضَمّنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة وهي من حكم المدينة ولكن كانوا قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.
ي- أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم سواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي ﵌ وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين. (١)
_________________
(١) - انظر زاد المعاد في هدي خير العباد - مصدر سابق. ج٣ - ٣٠٠ إلى ٣٠٩.
[ ١٧٠ ]