لمحة تاريخية وجيزة عن الشورى في حياة الأمم
إنه من المعلوم لكل العقلاء أن تداول الرأي في كل أمر يترتب عليه إصلاح شؤون الأمة أفرادًا وجماعات في شتى مجالات الحياة وعلى مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والصحية والاقتصادية والعسكرية إلخ. ضرورة لا بد منها، ذلك لأن الناس يعيشون في بيئات مختلفة ويكتسبون بمقتضى ذلك خبرات متنوعة ويحملون مواهب متعددة بأفهام متباينة فالإنسان لا يستغني بنفسه عن غيره خاصة في الأمور الهامة والعامة والتي لا بد فيها من الاستفادة من قرائح ومعارف ومهارات، ولكل عقل ميزة، ومن طبيعة الشورى أن تتعدد فيها الآراء وتجول فيها الأفكار ويستفاد من عقول الناس وتجربتهم وخبرتهم صواب الرأي وسداده، وتداول الرأي في الحوادث مارسته شعوب منذ أقدم العصور فمارسه العرب والفرس والمصريون والهنود والرومان، ومارسه الملوك الفراعنة ومارسها الصينيون كما يشير الحكيم الصيني (صون توزور) منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد إلى التشاور والتباحث فيقول: (فعندما يجري التجنيد العسكري لتأديب العابثين بحرمة البلد والأمة فإن أهل الحل والربط في ساعات البت العسكري لحاجة الدفاع أو حاجة الردع للعدو يجتمعون في المعبد الديني من أجل التشاور والبحث في صلاح الحكم القائم في البلد أو عدم صلاحه، ومدى ثقة الأمة بذلك العهد الحاكم، ثم يجري بحث أحوال الطقس وتقلباته في ذلك الفصل من مواسم السنة ثم يبحثون طبيعة الأرض وميادين القتال، وبعد مذاكرة هذه العوامل الثلاثة مذاكرة ودراسة وافية يجري اختيار القائد العسكري للحملة ومسؤولية الهجوم أو الردع. (١)
وقد استعملت عبارة أهل الحل والربط وهو ما يترادف مع أهل الحل والعقد في الإسلام، ثم تعيين مكان الاجتماع، وإنه المعبد ثم وضع جدول العمل وموضوعات
_________________
(١) - نقل ذلك الدكتور علي بن سعيد الغامدي عن فن الحرب ترجمة عمر حليق ص٧٩، وانظر فقه الشورى دراسة تأصيلية نقدية تأليف الدكتور علي بن سعيد الغامدي، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ٢٠٠١م، الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض ص٢٤.
[ ١٧ ]
البحث، ثم أول ما يجري فيه التشاور صلاح الحكم أو عدم صلاحه وهذا أساس في مواجهة الأعداء فإن الحكم الفاسد غير قادر على الصمود في الحرب، ثم بحث الزمان وجو المعركة وجو الطقس وتقلباته، ثم صلاح ميادين المعركة أي طبيعة الأرض وميادين القتال، ثم اختيار القائد المناسب الجدير بالقيادة بسبب كفاءته (١).
وقد نقل القرآن الكريم بعض نماذج عن أخذ الرأي، من ذلك قصة ملكة سبأ عندما وصلها كتاب من سليمان ﵇ وما حكى الله عنها حينما ألقى الهدهد كتاب سليمان إليها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ*) (٢)، وكتاب سليمان ﵇ واضح الدلالة في الدعوة إلى عبادة الله والإذعان للحق ﷾ بالوحدانية والربوبية وإلى الطاعة والإسلام، وأن بلقيس دعت الملأ من قومها، وهم أشراف الناس من قومها ووجوه القوم وأهل الرأي، ذكر ذلك ابن جرير وغيره من أئمة التفسير (٣)، وهذه القصة تفيد وجود التشاور بين الحاكم والمحكومين في العصور القديمة فقد أبانت الآية أن ملكة سبأ كانت هي وقومها وثنيون يعبدون الشمس، ولكنها مع ذلك بادرت إلى الاستشارة ولم تستفرد بالرأي دونهم، دل على ذلك ما حكاه الله عنها حيث تقول: (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) ونقل القرطبي عن قتادة قوله: ذُكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا وهم أهل مشاورتها كل رجل منهم على عشرة آلاف (٤). كما نقل القرآن مشاورة ملك مصر في شأن رؤيا رآها فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (٥)، وقد طلب الملك الرأي من الملأ في تفسير هذه الرؤيا لكونها متعلقة بمصير الأمة.
وهناك نموذج آخر حكاه القرآن الكريم عن فرعون حينما جاءه موسى يدعوه إلى توحيد الله (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (٦) والآية واضحة الدلالة في طلب الرأي من قبل الملأ غير أن ما يلاحظ عليه هو أن فرعون كان لديه نزعة استبدادية إذ أنه أبدى لهم رأيه في شأن موسى وأنه ساحر وأن موسى يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره فكأنه حرضهم عليه، ومع ذلك فقد كان في جواب قوم فرعون ما يدل على استجابتهم لطلب المشورة وأخذ فرعون بها دل على ذلك ما حكاه الله تعالى في كتابه (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) (٧) والنص واضح الدلالة أن حث الناس على الاجتماع واتباع السحرة كان مشروطًا بفوزهم على موسى ﵇ بخلاف الملأ من قوم بلقيس فإنهم (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (٨). ولعل فرعون مع نزعته الاستبدادية أراد مشاركتهم الجادة في الوصول إلى ما يريده ليشاركوه في نتيجة ما تسفر عنه المناظرة التي ربما كان يخشى سلفًا انها قد لا تكون في صالحه تمامًا، وكأن من طبيعة الجبابرة والمستبدين إملاء آرائهم والتحريض على الأخذ بها أو الاستعانة بالرأي على الأخذ بما ينزعون إليه، فطبيعة فرعون هي الاستعلاء والتجبر كما حكى الله عنه في أكثر من آية ففي سورة القصص حكى الله عنه إدعاء الألوهية بعد أن دعاه موسى إلى أن يتزكى ويدع إدعاء الألوهية (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (٩) مع أن موسى ﵇ دعاه إلى دين الحق وطالبه بأن يدين لإله يملك العالمين (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ
_________________
(١) - انظر الشورى للأستاذ الدكتور عبدالله أحمد قادري ص١٧ - ١٨طبعة دار المجتمع ١٤٠٦هـ، وفقه الشورى للدكتور علي سعيد الغامدي ص ٢٤ - ٢٥.
(٢) - سورة النمل: الآيات (٢٩ - ٣١).
(٣) - انظر جامع البيان للإمام ابن جرير الطبري ١٩ - ١٥٢.
(٤) - انظر الجامع لأحكام القرآن ج ١٣ - ص ٩٥.
(٥) - سورة يوسف: الآية ٤٣.
(٦) - سورة الشعراء ٢٩ - ٣٥.
(٧) - سورة الشعراء ٣٦ - ٤٠.
(٨) - سورة النمل ٣٣.
(٩) - سورة القصص ٣٨.
[ ٢٠ ]
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) (١) وهكذا نجد فرعون قد ادعى الألوهية وتنكر لموسى ﵇ وافتخر بعزة السلطان والملك الواسع فقال مباهيًا مفتخرًا (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) (٢) فكان من عاقبة استبداده إغراقه وجنوده في البحر (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا) (٣) وآل الملك العظيم لغيره (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) (٤).
وهناك أمثلة كثيرة حكاها الله في أخذ المستبدين كقصة النمرود وغيره، ولقد جاء الإسلام فأراد هدم الاستبداد السياسي من أساسه، فها هو رسول الله ﵌ يقول: (عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه وفقير فخور) (٥) فالأول يمثل الاستبداد السياسي والثاني يمثل الطغيان المالي والثالث وهو الفقير الفخور يمثل خدم النظامين من الاتباع الذين يمشون في ركاب الكبراء والأغنياء المترفين إنهم صعاليك ولكنهم يفخرون بسادتهم الذين التحقوا بهم (٦)، ولو ذهبنا نتتبع الشورى في العصور القديمة لاحتجنا إلى مجلدات ولكننا نكتفي بهذه اللمحة لندلل أن الشورى كانت موجودة في الأمم السابقة، وأما الشورى الإسلامية وإن لم تكن ابتكارًا إسلاميًا فهي أمر يزكيه القرآن ويأمر به كي تكون الشورى سبيلًا إلى معالجة أمور الدنيا وسياستها في ما لا نص فيه، سواء في نطاق الأسرة أو المجتمع، بين الحاكم والمحكومين وبين الناس بعضهم مع بعض، ولقد عرض القرآن الكريم لمعنى الشورى محبذًا أسلوبها ومزكيًا نمط الحكم الملتزم بها، فكانت الشورى هي المصطلح الذي أوجز أغلب مفكري الأمة الإسلامية تحته فلسفة الحكم كما رآها الإسلام وارتضاها المسلمون منذ ظهور الإسلام وقيام الدولة العربية الأولى ومنذ نشأة التيارات الفكرية السياسية الإسلامية، وإلى فلسفة الشورى انحازت كذلك السنة النبوية فعبرت الأحاديث النبوية عن تحبيذها وامتداحها كما سيأتي بيان ذلك.
_________________
(١) - سورة الشعراء ٢٣ - ٢٨.
(٢) - سورة الزخرف ٥١.
(٣) - سورة الإسراء ١٠٣.
(٤) - سورة الدخان ٢٥ - ٢٩.
(٥) - صحيح ابن حبان تأليف العلامة المحدث محمد بن حبان احمد، أبو حاتم التميمي البستي المتوفى سنة ٣٥٤هـ حديث (٧٤٨١) الناشر مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤هـ١٩٩٣م، وابن خزيمة في صحيحيه عن أبي هريرة ﵁ حديث (٢٢٤٩).
(٦) - انظر الإسلام والاستبداد السياسي للشيخ العلامة محمد الغزالي ص ٦٣ الطبعة الأولى دار الكتاب العربي القاهر١٩٩٨م، والأستاذ الدكتور العلامة وهبة الزحيلي في حق الحرية في العالم ص ١٧٧، الطبعة الأولى محرم ١٤٢١هـ نيسان إبريل٢٠٠٠م.
[ ٢١ ]
وأخيرًا فإن الفكر الإسلامي عني بالشورى وتطبيقات المسلمين المحدودة لفلسفتها وذلك ما يفتح باب الاجتهاد واسعًا أمام الأساليب والأشكال المنظمة لعملية التشاور، والأمل معقود على الحاضر والمستقبل لتحقيق الازدهار، للشورى فلسفة وسلوكًا في الشؤون الخاصة والعامة في جميع البلدان الإسلامية بما يحقق للأمة مصلحتها ويكفل لها نهضتها وازدهارها حتى تأخذ مكانها بين الأمم وتؤدي الرسالة المناطة بها، وسيجد المتتبع لما سنأتي عليه في دراستنا عن الشورى ما يحث الأمة على العمل بالشورى وإحياء هذه الفريضة الربانية والسنة النبوية وأداء هذه الأمانة العظيمة ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
[ ٢٣ ]