(فَصْلٌ)
[ ٥٩ ]
وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إذَا عَرَفَ صِدْقَهُ، فِي غَيْرِ الْحُدُودِ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَلَّا يَحْكُمُوا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أُمِرَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَحْفَظَ حَقَّهُ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَبِالشَّاهِدِ فَقَطْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ» رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ شَبَابَةَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ، وَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» . رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ ".
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَالزَّبِيبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵄ -، وَالْقَاضِي الْعَدْلُ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا هُوَ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثِ.
[ ٦٠ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاقْتِصَاصًا لِأَثَرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ فَهِمَهُ، وَلَا بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ اخْتِلَافٌ، إنَّمَا هُوَ غَلَطٌ فِي التَّأْوِيلِ، حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا ذِكْرَ الْيَمِينِ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرًا، فَظَنُّوهُ خِلَافًا.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ حَظَرَ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْيَمِينِ، إنَّمَا أَثْبَتَهَا فِي الْكِتَابِ - إلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَمْسَكَ.
ثُمَّ فَسَّرَتْ السُّنَّةُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُفَسِّرَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُتَرْجِمَةٌ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ. كَقَوْلِهِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَ: «الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ» .
وَ«النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا» وَ«يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَ«قَطْعُ الْمُوَارَثَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ
[ ٦١ ]
وَأَهْلِ الْكُفْرِ» .
وَ«إيجَابُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: مَسِيسَ الزَّوْجِ الْآخَرِ» فِي شَرَائِعَ كَثِيرَةٍ، لَا يُوجَدُ لَفْظُهَا فِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ. وَلَكِنَّهَا سُنَنٌ شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. فَعَلَى الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا، كَاتِّبَاعِ الْكِتَابِ.
وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِهِمَا، وَإِنَّمَا فِي الْكِتَابِ: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ إذَا وُجِدَتَا، فَإِذَا عُدِمَتَا قَامَتْ الْيَمِينُ مَقَامَهُمَا، كَمَا عُلِمَ حِينَ مَسَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مَعْنَاهُ: أَنْ تَكُونَ الْأَقْدَامُ بَادِيَةً. وَكَذَلِكَ لَمَّا رَجَمَ الْمُحْصَنَ فِي الزِّنَا: عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لِلْبِكْرَيْنِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَنِ عَلَى هَذَا فَمَا بَالُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينُ تَرِدُ مِنْ بَيْنِهَا؟ وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُ مَنَازِلَ فِي شَهَادَاتِ الْأَمْوَالِ، اثْنَتَانِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَوَاحِدَةٌ بِتَفْسِيرِ السُّنَّةِ لَهُ. فَالْمَنْزِلَةُ الْأُولَى: الرَّجُلَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ.
وَالثَّالِثَةُ: الرَّجُلُ وَالْيَمِينُ.
فَمَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ لَزِمَهُ إنْكَارُ كُلِّ شَيْءٍ ذَكَرْنَاهُ، لَا يَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ: مَا تَقُولُ فِي الْخَصْمِ يَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِرَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ لَهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ.
قِيلَ: لَيْسَ هَذَا أَوْلَى بِالْخِلَافِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْقُرْآنُ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ لِلْمَرْأَتَيْنِ شَهَادَةٌ إلَّا مَعَ فَقْدِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنَّهُ
[ ٦٢ ]
سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَمْ يَقُلْ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ.
فَيَكُونُ فِيهِ الْخِيَارُ، كَمَا جَعَلَهُ فِي الْفِدْيَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمِثْلُ مَا جَعَلَهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِإِطْعَامِ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كُسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ فَهَذِهِ أَحْكَامُ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي آيَةِ الدَّيْنِ.
وَلَكِنَّهُ قَالَ فِيهَا كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٢] كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] كَذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ الطُّهُورِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَفِي آيَةِ الظِّهَارِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَكَذَلِكَ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ الْوَاجِدَ.
فَأَيُّ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى بِالْخِلَافِ: هَذَا أَمْ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنْ اللَّهِ اشْتِرَاطُ مَنْعٍ، إنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ، ثُمَّ فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ وَجَدْنَا فِي حُكْمِهِمْ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي رَضَاعِ الْيَتِيمِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ مُوسِرَانِ: إنَّ الْخَالَ يُجْبَرُ عَلَى رَضَاعِهِ، لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ التَّنْزِيلُ غَيْرَهُ فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ لَا مِيرَاثَ لِلْخَالِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ، ثُمَّ لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحُكْمَ فِي السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي آثَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَوْلًا أَسْرَفَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: أَرُدُّ حُكْمَ مَنْ حَكَمَ بِهَا، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقُرْآنَ.
فَقُلْت لَهُ: اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: أَحَتْمٌ مِنْ اللَّهِ أَلَّا يَجُوزَ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْته؟ قُلْت: فَقُلْهُ.
قَالَ: قَدْ قُلْته.
قُلْت وَتُحَدِّدُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ أَمَرَ اللَّهُ بِهِمَا حَدًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُرَّانِ مُسْلِمَانِ بَالِغَانِ عَدْلَانِ.
قُلْت: وَمَنْ حَكَمَ بِدُونِ مَا قُلْت خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت لَهُ: إنْ كَانَ كَمَا زَعَمْت، خَالَفْت حُكْمَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: أَجَزْتُ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُمْ غَيْرُ الَّذِينَ شَرَطَ اللَّهُ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ.
وَأَجَزْت شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا عَلَى الْوِلَادَةِ، وَهَذَانِ وَجْهَانِ أَعْطَيْت بِهِمَا مِنْ جِهَةِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ أَعْطَيْت بِغَيْرِ شَهَادَةٍ فِي الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا.
قُلْت: وَالْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَيْسَ يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، إذْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى طَاعَةَ رَسُولِهِ، فَإِنْ اتَّبَعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَعَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قُبِلَتْ، كَمَا قُبِلَتْ عَنْ رَسُولِهِ.
قَالَ: أَفَيُوجَدُ لِهَذَا نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْت: نَعَمْ.
أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، أَوْ مَسْحِهِمَا فَمَسَحْنَا عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالسُّنَّةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
[ ٦٣ ]
الْآيَةَ، فَحَرَّمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ بِالسُّنَّةِ.
وَقَالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . فَحَرَّمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا، وَذَكَرَ الرَّجْمَ وَنِصَابَ السَّرِقَةِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ خَاصًّا وَعَامًّا.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْقُرْآنُ لَمْ يَذْكُرْ الشَّاهِدَيْنِ، وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي طُرُقِ الْحُكْمِ الَّتِي يَحْكُمُ بِهَا الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْبَيِّنَاتِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي يَحْفَظُ بِهَا الْإِنْسَانُ حَقَّهُ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
فَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِ حُقُوقِهِمْ بِالْكِتَابِ وَأَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُمْلِيَ الْكَاتِبَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَصِحُّ إمْلَاؤُهُ أَمْلَى عَنْهُ وَلِيُّهُ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَسْتَشْهِدَ عَلَى حَقِّهِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. ثُمَّ نَهَى الشُّهَدَاءَ الْمُتَحَمِّلِينَ لِلشَّهَادَةِ عَنْ التَّخَلُّفِ عَنْ إقَامَتِهَا إذَا طُلِبُوا لِذَلِكَ. ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ: أَلَّا يَكْتُبُوهَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ التَّبَايُعِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى سَفَرٍ - وَلَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا - أَنْ يَسْتَوْثِقُوا بِالرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ. كُلُّ هَذَا نَصِيحَةٌ لَهُمْ، وَتَعْلِيمٌ وَإِرْشَادٌ لِمَا يَحْفَظُوا بِهِ حُقُوقَهُمْ، وَمَا تُحْفَظُ بِهِ الْحُقُوقُ شَيْءٌ، وَمَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ شَيْءٌ.
فَإِنَّ طُرُقَ الْحُكْمِ أَوْسَعُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَلَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْيَمِينِ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ، فَالْحُكْمُ بِالنُّكُولِ وَالرَّدِّ أَشَدُّ مُخَالَفَةً.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالْقُرْعَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ، وَيَحْكُمُ بِالْقَافَةِ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَيَحْكُمُ بِالْقَسَامَةِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَيَحْكُمُ بِشَاهِدِ الْحَالِ إذَا تَدَاعَى الزَّوْجَانِ أَوْ الصَّانِعَانِ مَتَاعَ الْبَيْتِ وَالدُّكَّانِ، وَيَحْكُمُ - عِنْدَ مَنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ - بِوُجُوهِ الْآجُرِّ فِي الْحَائِطِ فَيَجْعَلُهُ لِلْمُدَّعِي إذَا كَانَتْ إلَى جِهَتِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَيْفَ سَاغَ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؟ وَرُدَّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيُجْعَلُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؟ بَلْ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: إنَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: حُكْمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، فَهَاتَانِ قَضِيَّتَانِ ثَابِتَتَانِ بِالنَّصِّ.
[ ٦٤ ]
أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَخُلَفَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ حَكَمُوا بِهِ وَلَا يَحْكُمُونَ بِبَاطِلٍ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ قَطْعًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] وَهَذَا مِمَّا حَكَمَ بِهِ. فَهُوَ عَدْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ اللَّهِ وَلَا بُدَّ.
٢٤ - (فَصْلٌ)
وَاَلَّذِينَ رَدُّوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَهُمْ طُرُقٌ: الطَّرِيقُ الْأُولَى: أَنَّهَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا تُقْبَلُ وَقَدْ بَيَّنَ الْأَئِمَّةُ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يُخَالِفُهَا بِوَجْهٍ، وَإِنَّهَا لَمُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ.
وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ رَدَّ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِزَعْمِهِ أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ مُفْرَدٌ سَمَّاهُ كِتَابَ طَاعَةِ الرَّسُولِ - ﷺ - ".
وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّحِيحَةِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ السُّنَنُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ.
الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى: سُنَّةٌ مُوَافِقَةٌ شَاهِدَةٌ بِنَفْسِ مَا شَهِدَ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ.
الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ: سُنَّةٌ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ، وَتُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهُ، وَتُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ.
الْمَنْزِلَةُ الثَّالِثَةُ: سُنَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِحُكْمٍ سَكَتَ عَنْهُ الْكِتَابُ فَتُبَيِّنُهُ بَيَانًا مُبْتَدَأً وَلَا يَجُوزُ رَدُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ لِلسُّنَّةِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ رَابِعَةٌ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ: " السُّنَّةُ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ " فَقَالَ: بَلْ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ، وَاَلَّذِي يَشْهَدُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تُنَاقِضُ كِتَابَ اللَّهِ وَتُخَالِفُهُ أَلْبَتَّةَ، كَيْفَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ أُنْزِلَ، وَبِهِ هَدَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِتَأْوِيلِهِ وَمُرَادِهِ، وَلَوْ سَاغَ رَدُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِمَا فَهِمَهُ الرَّجُلُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَرُدَّتْ بِذَلِكَ أَكْثَرُ السُّنَنِ، وَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ
[ ٦٥ ]
تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُ وَنِحْلَتَهُ إلَّا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِعُمُومِ آيَةٍ أَوْ إطْلَاقِهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ فَلَا تُقْبَلُ.
حَتَّى أَنَّ الرَّافِضَةَ - قَبَّحَهُمْ اللَّهُ - سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ بِعَيْنِهِ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَرَدُّوا قَوْلَهُ - ﷺ -: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» .
وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَرَدَّتْ الْجَهْمِيَّةُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وَرَدَّتْ الْخَوَارِجُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ.
وَرَدَّتْ الْجَهْمِيَّةُ أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ - مَعَ كَثْرَتِهَا وَصِحَّتِهَا - بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَرَدَّتْ الْقَدَرِيَّةُ أَحَادِيثَ الْقَدَرِ الثَّابِتَةِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ.
وَرَدَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا رَدَّتْهُ مِنْ السُّنَّةِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا أَنْ يَطَّرِدَ الْبَابُ فِي رَدِّ هَذِهِ السُّنَنِ كُلِّهَا، وَإِمَّا أَنْ يَطَّرِدَ الْبَابُ فِي قَبُولِهَا وَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ.
أَمَّا أَنْ يُرَدَّ بَعْضُهَا وَيُقْبَلَ بَعْضُهَا - وَنِسْبَةُ الْمَقْبُولِ إلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ كَنِسْبَةِ الْمَرْدُودِ - فَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ رَدَّ سُنَّةً بِمَا فَهِمَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ إلَّا وَقَدْ قَبِلَ أَضْعَافَهَا مَعَ كَوْنِهَا كَذَلِكَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى مَنْ رَدَّ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ
[ ٦٦ ]
بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى مَنْ رَدَّ سُنَّتَهُ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَدَّعِ مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ لَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ إنْكَارُهُ عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ سُنَّتَهُ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَتُعَارِضُهُ؟
٢٥ - (فَصْلٌ)
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا تُشْرَعُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ - ﷺ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَجُعِلَ الْيَمِينُ مِنْ جَانِبِ الْمُنْكِرِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ أَحَادِيثَ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ أَصَحُّ وَأَصْرَحُ وَأَشْهَرُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَاوَمَهَا فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ لِخُصُوصِهَا وَعُمُومِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِشَيْءٍ غَيْرِ الدَّعْوَى، فَيَكُونُ جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِالْيَمِينِ، لِقُوَّتِهِ بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَكَانَ هُوَ أَقْوَى الْمُدَّعِيَيْنِ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ مِنْ جِهَتِهِ.
فَإِذَا تَرَجَّحَ الْمُدَّعِي بِلَوْثٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ شَاهِدٍ كَانَ أَوْلَى بِالْيَمِينِ، لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِذَلِكَ، فَالْيَمِينُ - مَشْرُوعَةٌ فِي جَانِبِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَأَيُّهُمَا قَوِيَ جَانِبُهُ شُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ بِقُوَّتِهِ وَتَأْكِيدِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِينَ بِاللَّوْثِ شُرِعَتْ الْأَيْمَانُ فِي جَانِبِهِمْ، وَلَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، كَمَا حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَةُ، وَصَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
وَلَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ: كَانَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ وَكَذَلِكَ الْأُمَنَاءُ، كَالْمُودَعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَيَحْلِفُونَ، لِقُوَّةِ جَانِبِهِمْ بِالْأَيْمَانِ.
فَهَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ الْمُسْتَمِرَّةُ، فَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا قَوِيَ جَانِبُهُ، فَتَرَجَّحَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مُجَرَّدُ اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ يُدْفَعُ بِكُلِّ دَلِيلٍ يُخَالِفُهُ،
[ ٦٧ ]
وَلِهَذَا يُدْفَعُ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَاللَّوْثِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، فَدُفِعَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَقَوِيَتْ شَهَادَتُهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي. فَأَيُّ قِيَاسٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَأَوْضَحُ؟ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلنُّصُوصِ وَالْآثَارِ الَّتِي لَا تُدْفَعُ.
٢٦ - (فَصْلٌ)
وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ قُضَاةِ السَّلَفِ الْعَادِلِينَ إلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، إذَا عُلِمَ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: رَوَيْنَا عَنْ عَظِيمَيْنِ مِنْ قُضَاةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: شُرَيْحٌ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ، أَنَّهُمَا قَضَيَا بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ. وَلَا ذِكْرَ لِلْيَمِينِ فِي حَدِيثِهِمَا.
حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَجَازَ شُرَيْحٌ شَهَادَتِي وَحْدِي. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: شَهِدَ أَبُو مِجْلَزٍ عِنْدَ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: فَأَجَازَ شَهَادَتِي وَحْدِي. وَلَمْ يُصِبْ.
قُلْت: لَمْ يُصِبْ عِنْدِي أَبُو مِجْلَزٍ، وَإِلَّا فَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، وَإِنْ رَأَى تَقْوِيَتَهُ بِالْيَمِينِ فَعَلَ. وَإِلَّا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ. وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَمَّا حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْيَمِينَ، بَلْ قَوَّى شَهَادَةَ الشَّاهِدِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي " السُّنَنِ ": بَابُ إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَشْيَ، وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: إنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ وَإِلَّا بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْك؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا بِعْتُك، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: بَلَى، قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْك. فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَايَعْتَهُ. فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: بِتَصْدِيقِك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةُ فَوَائِدَ: مِنْهَا: جَوَازُ شِرَاءِ الْإِمَامِ الشَّيْءَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ. وَمِنْهَا: مُبَاشَرَتُهُ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ.
وَمِنْهَا: جَوَازُ الشِّرَاءِ مِمَّنْ يَجْهَلُ، وَلَا يَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
[ ٦٨ ]
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَيَقَّنَ مِنْ غَرِيمِهِ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ، إذْ هُوَ غَرِيمُهُ، وَمِنْهَا: الِاكْتِفَاءُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إذَا عَلِمَ صِدْقَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَا قَالَ لِخُزَيْمَةَ: أَحْتَاجُ مَعَك إلَى شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ. لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالصِّدْقِ الْعَامِّ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَانْفَرَدَ خُزَيْمَةُ بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِعَقْدِ التَّبَايُعِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ، دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِدُخُولِ هَذَا الْخَبَرِ فِي جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِيهَا، وَتَصْدِيقُهُ فِيهَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَقَدْ قَبِلَهَا مِنْهُ وَحْدَهُ. وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد - ﵀ -.
وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَخْصُوصًا بِخُزَيْمَةَ، دُونَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ شَهِدَ أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ، أَوْ عُمَرُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ لَكَانَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ. وَالْأَمْرُ الَّذِي لِأَجْلِهِ جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَاهِدَيْنِ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَامَ الشَّهَادَةَ وَأَمْسَكَ عَنْهَا غَيْرُهُ، وَبَادَرَ هُوَ إلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، إذْ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ تَصْدِيقِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. وَتَسْمِيَةُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ إخْبَارًا، لَا شَهَادَةً: أَمْرٌ لَفْظِيٌّ لَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِدْلَالِ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ قَوْلَهُ.
وَأَجَازَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي قَضِيَّةِ السَّلْبِ، وَلَمْ يُطَالِبْ الْقَائِلَ بِشَاهِدٍ آخَرَ، وَلَا اسْتَحْلَفَهُ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ. فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي عَامِ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا
[ ٦٩ ]
الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْته بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي. فَلَحِقْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْت: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ: فَقُمْت، ثُمَّ قُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْت، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْت. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: صَدَقَ. فَأَعْطِهِ إيَّاهُ.
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَأَعْطَانِيهِ. فَبِعْت الدِّرْعَ، فَابْتَعْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَقُ عَلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ: أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالسَّلَبِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَلَا مُعَارِضَ لِهَذِهِ السُّنَّةِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِتَرْكِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ، وَقَدْ شَهِدَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ قَالَ: فَكَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا» .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَشْهَدُ عَلَى مَا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ مِنْ إثْبَاتِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ، وَفِي الْحَمَّامِ يَدْخُلُهُ النِّسَاءُ، فَتَكُونُ بَيْنَهُنَّ جِرَاحَاتٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِهْلَالِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيْضِ وَالْعُذْرَةِ وَالسِّقْطِ وَالْحَمَّامِ؟ وَكُلُّ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءٌ؟ فَقَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ إذَا كَانَتْ ثِقَةً.