٤٦ - (فَصْلٌ)
وَلِلْيَمِينِ فَوَائِدُ:
[ ٩٨ ]
مِنْهَا تَخْوِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سُوءَ عَاقِبَةِ الْحَلِفِ الْكَاذِبِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ. وَمِنْهَا: الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ عَنْهَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ، وَتَخْلِيصُ كُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مِنْ مُلَازَمَةِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْحَقَّ، وَلَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ، بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بِهَا.
وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهِ. وَمِنْهَا: إثْبَاتُ الْحَقِّ بِهَا إذَا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا.
وَمِنْهَا: تَعْجِيلُ عُقُوبَةِ الْكَاذِبِ الْمُنْكِرِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ تَدْعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ، فَيَشْتَفِي بِذَلِكَ الْمَظْلُومُ عِوَضَ مَا ظَلَمَهُ بِإِضَاعَةِ حَقِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٧ - (فَصْلٌ)
وَمِنْهَا: أَنْ تَشْهَدَ قَرَائِنُ الْحَالِ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَاهُ، وَلَا يُحْلَفُ لَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُخْرِجُ عَلَى الْمَذْهَبِ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ مِثْلَ: أَنْ يَدَّعِيَ الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الْأَمِيرِ، أَوْ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْقَدْرِ لِعَلَفِ دَوَابِّهِ، وَكَنْسِ بَابِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ - ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، وَأَنَا إلَى جَانِبِهِ، فَادَّعَى بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: أَنَّ لَهُ قِبَلِي وَدِيعَةً، وَسَأَلَ إجْلَاسِي مَعَهُ وَإِحْلَافِي، فَقُلْتُ لِقَاضِي الْمَالِكِيَّةِ وَكَانَ حَاضِرًا أَتَسُوغُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَتُسْمَعُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: فَمَا مَذْهَبُكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَعْزِيرُ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: فَاحْكُمْ بِمَذْهَبِكَ فَأُقِيمَ الْمُدَّعِي، وَأُخْرِجَ.