ابن القيم يبرز الأدلة من الكتاب والسنة، ويستنبط الأحكام منها، ولا يقدم عليهما غيرهما، وقد قرر ذلك في جملة من كتبه، ورد على من خرج عن ذلك بتأويلات فاسدة أو قياس مردود، فقال - رحمه الله تعالى -: "ومن الأدب معه - ﷺ - ن لا يُستشكل قوله بل تُستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نص بقياس بل تهدر الأقيسة وتلغى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولًا!! نعم، هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به - ﷺ - على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه - ﷺ -، وهو عين الجرأة" (^٣) ا. هـ.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٢٧٨) مع فتح الباري.
(٢) إعلام الموقعين (٤/ ٢٠٢).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٠).
[ المقدمة / ٦٢ ]
وقال - رحمه الله تعالى -:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان
كلا ولا عزل النصوص وإنها ليست تفيد حقائق الإيمان
إذ لا تفيدكم يقينًا لا ولا علمًا فقد عزلت عن الإتقان
والعلم عندكم ينال بغيرها بزبالة الأفكار والأذهان (^١)
فمن الذي منا أحق بأمنه فاختر لنفسك يا أخا العرفان
لا بد أن نلقاه نحن وأنتم في موقف العرض العظيم الشان
وهناك يسألنا جميعًا ربنا ولديه قطعًا نحن مختصمان
فنقول قلت كذا وقال نبينا أيضًا كذا فإمامنا الوحيان
فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا نحن العبيد وأنت ذو الإحسان
أفتقدرون على جواب مثل ذا أم تعدلون إلى جواب ثان
ما فيه قال الله قال رسوله بل فيه قلنا مثل قول فلان
وهو الذي أدت إليه عقولنا لما وزنا الوحي بالميزان
إن كان ذلكم الجواب مخلصًا فامضوا عليه يا ذوي العرفان
تالله ما بعد البيان لمنصف إلا العناد ومركب الخذلان (^٢)
_________________
(١) انظر: النونية (٢/ ٢٧٩) "مع شرح ابن عيسى".
(٢) انظر: النونية (٢/ ١٢٢).
[ المقدمة / ٦٣ ]
وقال - رحمه الله تعالى -: "عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بوجهها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به. ولا قوة إلا بالله" (^١) اهـ.
وقال - ﵀ -: "ونوالي علماء المسلمين ونتخير من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة، ونزنها بهما، ولا نزنهما بقول أحد كائنًا من كان، ولا نتخذ من دون الله ورسوله رجلًا يصيب ويخطئ، فنتبعه في كل ما قال، ونمنع - بل نحرم - متابعة غيره في كل ما خالفه فيه، وبهذا أوصانا أئمة الإسلام، فهذا عهدهم إلينا، فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقتهم وهديهم، دون من خالفنا، وبالله التوفيق" (^٢) ا. هـ.
قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: "كان يتقيد بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها غير معوِّل على الرأي، صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا، ونعمت تلك الجرأة" (^٣) اهـ.