إني إذا شاهدت أمرًا منكرا (^١) أججت ناري ودعوت قنبرا (^٢)
ونفي عمر بن الخطاب - ﵁ - لنصر بن حجاج. ا. هـ (^٣).
وهذا موضع مَزَلَّة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا (^٤) الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها (^٥) مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها (^٦) حق مطابق للواقع، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
_________________
(١) هكذا في جميع النسخ وسيذكره المؤلف بلفظ آخر ص: (٤٨).
(٢) رواه البخاري (٦/ ١٧٣) رقم (٣٠١٧) و(١٢/ ٢٧٩) رقم (٦٩٢٢) دون النظم، ومع النظم رواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٣٤٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٧٥). قال الحافظ ابن حجر: رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه - وذكر القصة وفيها النظم - ثم قال: "هذا سند حسن" ا. هـ. فتح الباري (١٢/ ٢٨٢).
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢١٦)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (٢/ ٣٩٢)، والبلاذري في "الأنساب" قسم الشيخين (٢١١)، وابن شبه في أخبار المدينة (١/ ٤٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٢٠). قال الحافظ ابن حجر ﵀: وأخرج ابن سعد والخرائطي بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة قال - فذكر القصة ا. هـ. الإصابة (٣/ ٥٤٩).
(٤) في "ب": "فغلظوا".
(٥) في "د": "وغلطوها".
(٦) في "جـ": "أنه".
[ ١ / ٣٠ ]
ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول - ﷺ - وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعَزّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتبه، فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه (^١)، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامةُ العدل بين عباده، وقيامُ الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له.
فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا
_________________
(١) قوله "فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه" ساقط من "ب".
[ ١ / ٣١ ]