"هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قالا: لا، قال: "فأَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا". فلما نظر فيهما، قال لأحدهما: "هذا قَتَلَهُ" (^١). وقضى له بسلبه. وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع (^٢)، فالدم في النصل شاهد عجيب.
وبالجملة: فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره (^٣) ومَنْ خَصها بالشاهدين، أو الأربعة، أو الشاهد، لم يوف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادًا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادًا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة. وكذلك قول النبي - ﷺ -: "البَيِّنَةُ على المُدَّعِي" (^٤)
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٤١) (٦/ ٢٨٣)، ومسلم (١٧٥٢) (١٢/ ٣٠٤).
(٢) في "جـ": "في الاتباع".
(٣) انظر: إعلام الموقعين (١/ ١٣١)، مفتاح دار السعادة (١/ ٤٥٨)، معين الحكام (٦٨)، تبصرة الحكام (١/ ٢٤٠)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٥)، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٦/ ٤٤٦).
(٤) روى هذا الحديث جمع من الصحابة، منهم: عبد الله بن عمرو: رواه الترمذي (١٣٤١) (٣/ ١٨)، والدارقطني (٣/ ١١٠) و(٤/ ١٥٧)، والبيهقي (١٠/ ٤٣٣). قال الترمذي: "هذا حديث في إسناده مقال ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره" ا. هـ. وضعفه الحافظ في التلخيص (٤/ ٢٨٣). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٠٤) بعد روايته: "وهذا الحديث وإن كان في إسناده لين فإن الآثار المتواترة في حديث هذا الباب تعضده" ا. هـ. ومن حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب: رواه الدارقطني (٤/ ٢١٨ - ٢١٩)، وابن حبان (٥٩٩٦) (١٣/ ٢٤٠)، والطبراني كما في الفتح (٥/ ٣٣٤). قال الألباني ﵀ عن سند الدارقطني: "هذا إسناد جيد في الشواهد" ا. هـ. الإرواء (٨/ ٢٦٦). ومن حديث ابن عباس - ﵄ - رواه الشافعي في الأم (٧/ ١٥٣)، والبيهقي (١٠/ ٤٢٧)، وفي المعرفة (١٤/ ٣٥٠)، والبغوي في =
[ ١ / ٢٥ ]
المراد به: أن عليه بيان (^١) ما يصحح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البينة. ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها، كدلالة (^٢) الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى.
وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: "أردت السفر إلى خيبر، فأتيت النبي - ﷺ -، فقلت له: إني أردت (^٣) الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أَتَيْتَ وَكِيلي فَخُذْ منه خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا (^٤)، فإذا
_________________
(١) = شرح السنة (١٠/ ١٠١). قال السيوطي: "أخرجه الشافعي في الأم من حديث ابن عباس بسند صحيح" ا. هـ. تخريج أحاديث العقائد (٢٣) وفيه نظر لأن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي والجمهور على تضعيفه، وله طريق آخر حسَّنه النووي في الأربعين (٣٣)، وابن الصلاح في الكليات. انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٢٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٣٣٤)، وصححه في البلوغ (٢٩٣) رقم (١٤٨٣). وقال ابن الملقن: "رواه البيهقي بإسناد جيد" ا. هـ. شرح عمدة الأحكام (١٠/ ٥٣). تنبيه: أخرج البخاري (٤٥٤٩) بسنده عن أبي وائل - في قصة - أن النبي - ﷺ - قال للأشعث بن قيس: "بينتك أو يمينه" الحديث.
(٢) "بيان" ساقطة من "ب".
(٣) في "أ" و"ب" و"هـ": "لدلالة".
(٤) وفي "ب": "أريد".
(٥) الوَسْق: ستون صاعًا بصاع رسول الله - ﷺ - والصاع أربعة أمداد. حلية الفقهاء (١/ ١٠٢)، طلبة الطلبة (٤٠)، التوقيف على مهمات التعاريف (٧٢٥). واختار شيخنا العلامة ابن عثيمين ﵀: أن الصاع النبوي يساوي كيلوين وأربعين جرامًا من البر الجيد. انظر: الشرح الممتع ٦/ ٧٦.
[ ١ / ٢٦ ]