ورد في اجتماع السقيفة أحاديث وروايات كثيرة موضوعة ومكذوبة على خير البرية - ﷺ -، أغلبها من أبي مخنف، تنسج هذه الروايات من قصة السقيفة التي اجتمع فيها أطهر الخلق بعد رسول الله - ﷺ -، حكاية مكر، وتآمر، وتشعل منها نيران فتنة، وتشكك من خلالها في عدالة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم جميعًا، وقد أعرضت عن هذه الروايات، واعتمدت رواية البخاري في جامعه الصحيح عن أم المؤمنين عائشة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مات .. واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: "منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال خباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، وهم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت؛ فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله ". (^٢)
وما كان في السقيفة كانت بيعة خاصة لأبي بكر الصديق - ﵁ - من جماعة من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، فلما كان الغد من يوم توفي رسول الله - ﷺ - كانت بيعته العامة في المسجد.
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ١٢.
(٢) صحيح البخاري: كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب أبي بكر، ج ٥، ص ٨، برقم ٣٦٦٨.
[ ٢٥ ]
قال الزهري: " فأخبرني أنس بن مالك - ﵁ -، أنه سمع خطبة عمر بن الخطاب - ﵁ - الآخرة حين جلس على منبر رسول الله - ﷺ - وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - ﷺ -، قال: " فتشهد عمر وأبو بكر صامت لا يتكلم، ثم قال: أما بعد فإني قلت أمس مقالة وأنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله - ﷺ -، ولكني كنت أرجوا أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا- يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد - ﷺ - قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، فاعتصموا به تهتدوا لما هدى الله محمدا - ﷺ - ثم أن أبا بكر صاحب رسول الله - ﷺ -، وثاني اثنين وإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر". (^١)
ويتضح من خلال هذين الحديثين أن الصديق - ﵁ - تم انتخابه مرتين، مرة من كبار الصحابة في السقيفة، والثانية في المسجد من عامة الناس؛ ليتحقق الرضا من عامة الصحابة ولتتم البيعة منهم جميعًا، وقد كان ذلك.
قال الغزالي: " لما بايع عمر أبا بكر - ﵁ - ما انعقدت الإمامة له، لا بمجرد بيعته، ولكن؛ لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر، وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقسامًا متكافئًا لا يتميز فيه غالب من مغلوب، لما انعقدت الإمامة .. ". (^٢)
ويؤكد هذا المعنى ابن تيمية فيقول وإنما صار- أي أبو بكر- إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هو أهل القدرة والشوكة، ولم يضر تخلف سعد بن عبادة - ﵁ -؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان الذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك". (^٣)
_________________
(١) صحيح ابن حبان: كتاب إخباره ﷺ عن مناقب أصحابه، باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن المصطفى - ﷺ - بعد أمره بالصلاة أبا بكر في علته أمر عليا بذلك ﵄، ج ١٥، ص ٢٩٦، برقم ٦٨٧٥، مصنف عبد الرزاق ج ٥، ص ٤٣٧، برقم ٩٧٥٦، وقال الأرناؤوط حديث صحيح.
(٢) فضائح الباطنية: الغزالي، ص ١٧٧.
(٣) منهاج السنة النبوية: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تح: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ط (١) ١٤٠٦ هـ، ج ١، ص ٥٣٠.
[ ٢٦ ]