أ. استدلوا ببيعة عمر لأبي بكر يوم السقيفة، وأنه بالإمكان أن تتم البيعة بمبايعة شخص واحد من أهل الحل والعقد، ومن هنا فمسألة الأغلبية ليس لها لزوم في الشرع. (^١)
الجواب على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: ما صدر عن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - عندما سمع مثل هذا في موسم الحج فعاد إلى المدينة وخطب في الناس وقال: " بلغني أن قائلًا منكم يقول والله لو قد مات عمر، بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا .. ". (^٢)
الثاني: ما سطره الغزالي في المسألة إذ قال: لما بايع عمر أبا بكر - ﵁ - ما انعقدت الإمامة له، لا بمجرد بيعته، ولكن لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر، وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقسامًا متكافئًا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب، لما انعقدت الإمامة فإن شرط ابتداء الانعقاد: قيام الشوكة، وانصراف القلوب إلى المتابعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة؛ فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة، والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد؛ إلا إذا ظهرت شوكته؛ وعظمت نجدته؛ وترسخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرية من معتبري كل زمان ". (^٣)
ومما سبق يتبين أن بيعة الصديق - ﵁ - لم تتم ببيعة عمر - ﵁ - وحده وإنما بمبايعة الناس له، ورضاهم به، ومشايعتهم له.
ب. قتال الصديق لمانعي الزكاة رغم معارضة الصحابة له ومنهم عمر - ﵁ -:
_________________
(١) قضية الأغلبية: الريسوني، ص ٥٥.
(٢) صحيح البخاري: كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت، ج ٨، ص ٢١٨، برقم ٦٨٣٠.
(٣) فضائح الباطنية: الغزالي، ص ١٧٧.
[ ٢٠ ]
والجواب عليه من وجهين:
الأول: أن الروايات الصحيحة الثابتة في ذلك تبين أن حوارًا جري بين الصديق - ﵁ - وبين عمر ﵁ حول قتال مانعي الزكاة انتهى إلى الاتفاق على قتالهم بعد أن اتضح الحكم الشرعي في المسألة.
ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: " لما توفي رسول الله - ﷺ - واستخلف أبو بكر بعده، كفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: "كيف تقاتل الناس، وقد قال - ﷺ - أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، وإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا- أو عناقًا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق". (^١)
وفي معالم السنن: " فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر - ﵁ - ما وبان له صوابه، تابعه على قتال القوم ". (^٢)
أما الروايات التاريخية الأخرى ففيها زيادات، وذكرت بغير إسناد، ولا ترقى إلى درجة الصحة والقبول، وبعضها يصادم الروايات الصحيحة المعتمدة في كتب الحديث، وبعضها مجمل بمعنى أنها عندما تذكر خلاف الصحابة مع الصديق، لا تذكر من هم الصحابة المخالفون له وكم عددهم وما نسبتهم. (^٣)
الثاني: أن الصديق - ﵁ - لم يتمسك برأي له، أصر على أن يعارض به الصحابة وأن يفرضه عليهم، وإنما كان يتمسك بالنص، ومعلوم أنه لا اجتهاد، ولا شورى، ولا أغلبية في مورد النص. (^٤)
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة وأخذ العناق في الصدقة، ج ٢، ص ١٣١، برقم ١٣٩٩ - ١٤٠٠.
(٢) معالم السنن: حمد بن بست الخطابي، المطبعة العلمية: حلب، ط (١) ١٩٣٢ م، ج ٢، ص ٥.
(٣) قضية الأغلبية: الريسوني، ص ٥٩ - ٦٠، بتصرف.
(٤) المرجع نفسه، ص ٦٠.
[ ٢١ ]
ج. إنفاذ الصديق لجيش أسامة رغم وجود من اعترض من الصحابة:
الجواب من وجهين:
الأول: أن ما فعله الصحابة من اعتراض على إنفاذ جيش أسامة كان باجتهاد منهم عندما رأوا ارتداد العرب، واضطراب الأمور على الصديق بعد موت النبي - ﷺ -، فقد روى أبو هريرة - ﵁ - قال: " فاجتمع إليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: " يا أبا بكر: رد هؤلاء، تُوجِه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - ﷺ -، ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله، فوجه أسامة". (^١)
الثاني: ما فعله الصديق، وتمسك به، هو تنفيذه لوصية رسول الله ص التي وصى بها وأكد عليها مرارا وهو على فراشه حتى مات.
روى ابن سعد بسنده، عن عروة بن الزبير قال: " كان رسول الله - ﷺ - قد بعث أسامة وأمره أن يواطئ الخيل نحو البلقاء، حيث قتل أبوه وجعفر، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون، وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله - ﷺ - وهو على ذلك، ثم وجد في نفسه راحة فخرج عاصبًا رأسه فقال: " يا أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، ثلاث مرات، ثم دخل النبي - ﷺ - فاستعز به، فتوفي رسول الله - ﷺ - " (^٢)
جاء في فتح الباري: " ثم اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه فقال: أنفذوا بعث أسامة، فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف". (^٣)
د. واستدلوا كذلك بموقف عمر - ﵁ - حين امتنع عن قسمة الأراضي المفتوحة عنوة على المقاتلين، رغم مطالبتهم بها ومخالفة الصحابة له في الرأي.
والجواب على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أنه ورد في الآثار أن عمر - ﵁ - أراد في بداية الأمر أن يقسم الأراضي فشاور في ذلك فأشار عليه، علي، ومعاذ بعدم القسمة فمال إلى رأيهما، فقد روى أبو عبيد بسنده عن حارثة بن مضرب عن عمر: " أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين .. فشاور في ذلك "، فقال له علي بن أبي طالب - ﵁ -: " دعهم يكونوا مادة للمسلمين، فتركهم ". (^٤)
_________________
(١) «البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تح: عبد الله عبد المحسن التركي، دار الهجرة للطباعة والنشر: الجيزة، ط (١) ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م، ج ٦، ص ٣٠٥.
(٢) الطبقات الكبرى: محمد بن سعد بن منيع البصري، تح: إحسان عباس، دار صادر: بيروت، ط (١) ١٩٦٨ م، ج ٢، ص ٢٤٨.
(٣) فتح البارئ شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني، ج ٨، ص ١٥٢.
(٤) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: أبو بكر محمد بن إبراهيم، المنذر النيسابوري، تح: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة: الرياض، ط (١) ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م، ج ١١، ص ٣٣ - ٣٤، برقم ٦٤٢٢، وكتاب الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام، تح: خليل محمد هراس، دار الفكر: بيروت، ط () دت، ج ١، ص ٧٤، برقم ١٥١.
[ ٢٢ ]
وروى أبو عبيد أيضا بسنده عن عبد الله بن قيس أو عبد الله بن أبي قيس - شك أبو عبيد - قال: " قدم عمر الجابية فأراد قسم الأرضين بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسعهم أولهم وآخرهم "، وفي رواية: فصار عمر إلى قول معاذ ". (^١)
فيتضح من خلال هذه الآثار أن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - لم يمتنع عن قسمة الأراضي ابتداء وإنما استشار الصحابة وصار إلى قول علي، ومعاذ.
- أن هذا المذهب لم يكن مذهبه وإنما هو مذهب علي، ومعاذ.
- أنه كان يوجد من الصحابة من تبنى هذا الرأي ولم يكن قول أمير المؤمنين عمر وحده.
الثاني: أن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - لما لم يصل مع المقاتلين وممثليهم إلى نتيجة متفق عليها، عرض الأمر للشورى.
قال أبو يوسف: " فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فأما عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأي علي، وطلحة، وابن عمر - ﵁ - م، رأي عمر، فأرسل إلى عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا، حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق، قالوا: قل تسمع يا أمير المؤمنين، قال: قد سمعت كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا، لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم، وأرضهم، وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام: كالشام، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، ومصر- لابد لها أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟
فقالوا جميعًا: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم". (^٢)
ويتبين من خلال هذا السياق أن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - لم يستبد برأيه، بل شاور المهاجرين والأنصار، وكان رأيه هو رأي جمهورهم الأعظم فكيف يقال أنه رأي عمر؟ (^٣)
_________________
(١) الأوسط: ابن المنذر، ج ١١، ص ٣٤، برقم ٦٤٢٣. الأموال: أبو عبيد، ج ١، ص ٧٤ - ٧٥، برقم ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، المطبعة السلفية: القاهرة، ط (٣) ١٣٨٢ هـ، ج ١، ص ٢٦، برقم ٦٧.
(٣) قضية الأغلبية: الريسوني، ص ٦٦.بتصرف.
[ ٢٣ ]