ويقصد الباحث به- كما تقدم- العمل العلمي المنهجي الذي تقوم به فئة من فقهاء الأمة وعلمائها المتخصصين في مختلف العلوم، والذي تسعى من خلاله؛ لطلب الحكم الشرعي الظني بطريقة التشاور والاستنباط، عبر هيئات الإفتاء العام، ومؤسسات الاجتهاد الجماعي المعاصرة، كالمجامع الفقهية، وهيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، ولجان تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، وغيرها من الجهات ذات البعد الجماعي، ولا شك أن بحث نوازل العصر ومستجداته، ووقائعه المختلفة بجهد جماعي، ووفق عمل مؤسسي يدعى إليه أهل الاختصاص، وتعد أبحاثه بعناية تامة، ويلقى من التدقيق والتمحيص وتداول الرأي ما يوصل إلى الصواب أو يقاربه، أرقى وسائل العصر، وأبعد عن الخطأ، وأقرب إلى منهج الراشدين رضوان الله تعالى عليهم فقد تعددت الآثار منهم في بيان ذلك ومنها:
أ. أثر المسيب بن رافع قال: " كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله - ﷺ - أثر اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا ". (^٢)
ب. ما رواه ميمون بن مهران أنه قال: " كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله - ﷺ - في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه، خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله - ﷺ - قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر فيه عن رسول الله - ﷺ - قضاء، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله - ﷺ - جمع رؤوس الناس، فإذا أجمعوا على شيء قضى به". (^٣)
_________________
(١) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، تح: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الثقافة: الدوحة، ط () ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، ص ٥٣.
(٢) مسند الدارمي: باب إتباع السنة، ج ١، ص ٢٣٨، برقم ١١٦.
(٣) مسند الدارمي: باب كراهة الفتيا، ج ١، ص ٢٦٢، برقم ١٦٣.
[ ٢٩ ]
ج. عمر يستشير الصحابة
ج. ما روي عن أمير المؤمنين عمر - ﵁ - أنه كان مع علمه وفقهه يستشير الصحابة فإذا رفعت إليه قضية، قال: " ادعوا لي عليًا، وادعوا لي زيدًا، وكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه". (^١)
د. وكان هذا المنهج هو الذي سار عليه سلف الأمة من التابعين وتابعيهم، فقد أثر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - ﵁ - أنه عندما ولي المدينة -وهو التابعي الثقة- كان يجمع عشرة من فقهائها، ويقول لهم: " إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، وما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم". (^٢)
قال مالك: " أدركت هذا البلد وما عندهم إلا الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه". (^٣)
ولكون نوازل العصر ومستجداته مسائل في غالبها مبنية على الاجتهاد تختلف فيها أنظار العلماء فإن الحاجة ماسة لهذه الهيئات والمؤسسات لحسم خلافها برأي الأغلبية من المشتركين فيها وهذا مجال يسوغ الأخذ برأي الأغلبية طالما أنهم من أهل العلم والتصويت على المسائل الشرعية في إطارهم.